Make your own free website on Tripod.com

 

 

                                     تنبيه هام : نظراً لكبر حجم الكتاب الأول فقد وضع قى جزئين ومع هذا فقد ظل كل جزء كبيراً لهذا أوجه نظر القراء أن يتحلوا بالصبر عدة دقائق حتى يتم تحميل الجزء 30/1 04

  لم نتهى من وضع كل الأبحاث عن هذا الموضوع والمواضيع الأخرى لهذا نرجوا من السادة القراء زيارة موقعنا من حين لآخر

Home
من هم الفاطميون
الخليفة المعز
الحاكم بأمر الله
الخليفة الظاهر
أعترافات الآباء

 

 

الإحتلال الفاطمى الإسلامى لمصر

الفصل الأول : نوبى ميت يحكم مصر لمدة ثلاث سنين

 الفصل الثانى : الخلافة الفاطمية  فى مصر 358- 567 هـ ( 969- 1171م )

الفصل الثالث : الخليفة المُعزٌ لدينْ الله الفاطمى ( 969م – 976م )

الفصل الرابع : الأنبا مينا البابا رقم 61- (البطريرك المتزوج)

 

الفصل الأول : نوبى ميت يحكم مصر لمدة ثلاث سنين

 كانت مصر ولاية تابعة لخليفة بغداد العباسى وكان والي مصر هو الإخشيد الذى صرح بإقامة الأنبا مينا بطركاً للأقباط ثم ذهب الإخشيد إلى فلسطين فى حرب ثم مات هناك وكان له ولدين أحدهما إسمه أبو القسم والآخر إسمه أبو الحسن ورثا من ضمن ما ورثا ولاية مصر وحدث أن ثار عليهما ثائر من الغرب إسمه حنانيا وإستولى على مصر فهربا منه إلى فلسطين ونمى إلى علم الولدين أن عساكر حنانيا فى مصر بدون قيادة فعادوا إلى قتاله فهزموا جيشه فى مصر وعادا لحكم مصر كولاه .

وكان معهما كافور أستاذهما الذى كان أبيهما تركهما فى رعايته , وكان كافور خصى نوبى سبوه المسلمين من بلاد النوبة (1) ورعاه الإخشيد من صغرة فسلمه إلى أساتذه ليعلموه الكتابة والقراءة وسائر العلوم والمعرفة وقيادة الجيوش وفن الحرب فإستوعبها بسرعه ونبغ فيها وظهرت موهبته فى فن الإدارة والحكم ولثقة أبيهما فى هذا النوبى فقد تركه يعلم أولاده وتركه أيضاً وصياً عليهما وسلم إليه مملكته , ويصف لنا إبن المقفع عن (2) مركزه فى مصر فقال " وهذا كان مثل يوسف بمصر " أى أنه كان الحاكم الفعلى لمصر وظلا الولدين فى الحكم لمدة سبع سنين إلى أن ماتا – وتقول أيريس حبيب المصرى (3) : " أن كافور كان صاحب دهاء فكرى ومطامع واسعة , فأعلن نفسه وصياً على الولدين

وإتخذ لنفسه لقب الإخشيدى , ولكى يحفظ لنفسه حق الرجعة إتفق مع الصبيين على أن يعطى كلاً منهما أربعمائة ألف دينار , ونصحهما أن يستمتعا بشبابهما ويصرفا هذه الألاف من الدنانير على هواهما ولذاتهما ويتركا إدارة سياسة الدوله له , ففرحا بهذا الإتفاق إذ لم يكن أيا منهما يدرك معنى الحكم ومسؤولياته , فقضى حياتهما مغمورين غارقين فى اللهو والعبث وإنتهيا من هذه الدنيا وكانهما لم يكونا " .

وكان هذا النوبى قويا مقداماً شجاعاً له عزيمه قوية فخاض المعركة التى كان الإخشيد ينوى خوضها قبل موته وإنتصر على خصومه , فوسع بإنتصاراته حدود مصر الشرقية حتى شملت حلب وطرسوس – وكان كافور الإخشيدى كريماً معطاءاً ميالاً للبذخ والترف ولوعاً بالشعر والموسيقى – فوقف على باب قصره أعظم شعراء عصره صيتاً وبالغوا فى مديحه ليحصلوا على عطاياه ولكن من سوء الطالع أن الفيضان جاء ناقصاً ثلاث سنوات متتالية فقل المحصول وحدث غلاء شديد ولما كانت النوبه أكثر الأماكن تتضرراً فقد هاجمت القبائل النوبية منطقة الصعيد وفتكوا بأهلها وأشاعوا الذعر والفوضى فى البلاد وبالرغم من حرب النوبيين فقد ظل المصريين على ولائهم لكافور لما إمتاز به من عدل وإنصاف فى المساواه بين المواطنين على إختلاف أديانهم(3)   

 وكان وزير كافور المقرب القبطى أبو اليمن قزمان بن مينا الذى ظل وزيراً طوال حكم كافور ,  هذا مع العلم أن  حكم كافور الإخشيدى إمتد إلى 22 سنة حكم فيها فعلاً 19 سنة حيا و3 سنوات ميتاً .

وحصل الأقباط فى عصره على الحرية الدينية فأبدعوا فى عملهم لدرجه أنهم سيطروا على النقل البحرى فى النيل وجالوا أعالى البحار قاصدين التجارة وقال المؤرخ جاستون فييت : " أن أصحاب عمال الترسانات والمراكب كان غالبيتهم من الأقباط – وكان القداس الإلهى يقام رسمياً على المراكب إذ لم يكن بحارتها من القبط فحسب بل كان إلى جانبهم الصناع الحاذقون لمختلف المهارات كالحدادين والنجارين وصانعى الأثاث وغيرهم – كما كانت الإحتفالات بالأعياد المسيحية تقام بصورة شعبية رائعه على شاطئ النيل كما كانت المواكب الخاصة بها تسير فى الميادين العامة والشوارع الرئيسية " (4

وتولى كافور حكم مصر بعدهما ثم مات هو الآخر فأخذه مشيرى الدوله ووزرائها وحنطوا جثته وأجلسوه على كرسى عال فى قصره ولبسوه ثوب بأكمام طوال جداً حتى أن أكمام الثوب كانت تصل إلى باب المجلس الذى كان

 يجلس فيه وأمروا خدامه بأن يقولوا لكل من يحضر ليسلم عليه أن يمنعوه من الدخول ويقولوا : سيدنا يأمر أن تقبل كمه وتسلم عليه من الخارج لأنه ضعيف ولا يحتمل أحد أن يدخل إليه ويتحادث معه " وكانوا قد أمروا أحد خدامه أن يجلس خلف كرسى جثه كافور وأن يحرك رأس الجثة حينما يسلم عليه أحد من الناس كأنه يرد عليهم ولم يعلم أحد من قصره بذلك إلا الأستاذين (5) الخواص وسراريه وأبو اليمن قزمان أبن مينا وظل كافور يحكم مصر وهو ميت لمدة ثلاث سنين ووزيره يجبى الخراج إلى أن عرف الشعب خبر موته فكتبوا إلى ملك الغرب وإسمه معد أبو تميم المعز لدين الله بحكم مصر .

 وتقول أيريس حبيب المصرى رواية أخرى أن الحاكم الذى خلفه كان صبياً فى الحادية عشرة من عمره إسمه أبو الفوارس أحمد بن على بن الإخشيد الذى تولى إبن عمه الحسين بن عبيد الله الوصايا عليه , وتولى إبن الفرات الذى بطش بشعب مصر فجمع الجزية والخراج بجشع وطمع وكان شحيح اليد طماعاً مغتصباً , بينما أقيم صموئيل مديراً على الحمام الزاجل (6) كان مسؤولاُ عن الإستخبارات العسكرية والعمليات الحربية , فأدى بطش الأول وتراخى الثانى إلى تمرد الجيش (7) وأمعنوا فى تمردهم إلى حد انهم دخلوا بيت إبن الفرات الوالى ونهبوه علانية , وإنتشرت الفوضى  وجاء الفيضان ناقصاً عن منسوبه وأدت المجاعة إلى إنتشار الأوبئه والأمراض وضعفت أجسام الناس فلم تعد قادرة على مقاومة الأمراض فمات من المجاعة والأوبئة 600 ألف شخص .

 _____________________

(1) ويقول مؤرخ آخر أنه كان حبشياً راجع تاريخ مصر فى العصور الوسطى 0 بالإنجليزية ) – ستانلى لين بول  ص 87

(2) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999ص 71

(3) قصة الكنيسة القبطية – وهى تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية التى أسسها مار مرقس البشير – بقلم المتنيحة أيريس حبيب المصرى- الطبعة السابعة 2000 – الكتاب الثالث ص 14

(4) تاريخ مصر فى العصور الوسطى 0 بالإنجليزية ) – ستانلى لين بول  ص 87

(5) تاريخ الأمة المصرية – المجلد الرابع : مصر افسلامية من الفتح العربى إلى الفتح التركى ( باللغة الفرنسية) – جاستون فييت ص 175- 177

(6) (الإستاذ يعنى الوزير )

(7) البريد فى ذلك

(8)  كان معظمهم من الجنس التركى  وكانوا يخطفون بعضهم أطفالاً أو يأسرونهم ويعلموهم فنون الحرب والقتال

 ======================================================================================== 

الفصل الثانى : الخلافة الفاطمية  فى مصر 358- 567 هـ ( 969- 1171م )

 تسمى الخلافة الفاطمية بالدولة العبيدية نسبة إلى مؤسسها عبيد الله المهدى كما أن لها عدة تسميات أخرى منها دولة المصريين أو دولة العلويين المصرية  (1)

وحدث أنه عندما مات محمد صاحب الشريعة الإسلامية بويع أبو بكر بالخلافة ولكن أمتنع بعض من الصحابة ومنهم على بن أبى طالب عن بيعته وإعتقد على أنه أولى منه بها لقرابته وصهره من محمد ولم يلبث على أن بايع أبو بكر – ولما مات أبو بكر ثم تولى الخلافة عمر بن الخطاب ثم قتل ثم تولاها عثمان وقتل أيضاً جاء دور على فى الخلافة فى وقت كانت الفتن والدسائس تعصف بالمسلمين وإنقسم المسلمون إلى طائفتين :

 الأولى  مؤيدة لعلى ( سميت شيعة علىٌ )

 الثانية ضد على ( سميت شيعة بنى أمية ) .

وإنتهى الأمر بقتله غيلة ثم بموت إبنه " الحسن" وقتل أتباع بنى أمية إبنه " الحسين " المطالب بالخلافة بعد أبيه أدى إلى حرم نسله من الخلافة . فإستفحل العداوة بين شيعة على وشيعة بنى أمية التى كثر عددهم بإنضمام عمر بن العاص وبالتالى مصر إليهم .

ولم ترضى شيعة على بالهزيمه فعملوا فى السر لإعادة الخلافة العلوية وآمنوا بأن  : " أن الخلافة لم تصح ولن تصح لغير أهل البيت من أولاد على  فأنكر عليهم بقية المسلمين ذلك "  ولا يزال الفريقين كل يؤمن بعقيدته كما أنه هناك خلافات كبيره فى الرأى والمذهب بينهما حتى الآن وعند الشيعة عقيدة دينية تقول : " أن الله لا يترك خلقة بدون إمام حق هو المهدى المنتظر الذى يبيد المغتصبين ويحيى مجد بيت رسول الله " 

وفى سنة 280 هـ - 893 م ذهب أحد دعاة الشيعة وإسمة أبا عبدالله الشيعى أهل قبائل البربر فى بلاد البربر ( شمال أفريقيا) فإستمالهم ونجح فى دعوته

بينهم وإنضموا إليه وأعلن بينهم أن الخليفة هو عبيد الله  بن محمد من نسل جعفر الصادق ( من نسل على ) فنجح فى دعوته وطرد الوالى العباسى سنة 296 هـ - 908 م وإسمه الأمير " الأغلٌبى" وأعلن أن عبيد الله هو خليفة المسلمين الحقيقى ورئيس دينهم المنتظر وأنه الإمام عبيد الله والملقب بالمهدى -وقال عبيد الله أنه من نسل السيدة فاطمه بنت محمد صاحب الشريعة الإسلامية لهذا سميت سلالته بالفاطميين ويشك كثير من المؤرخين السنيين فى صحة نسبه 0

وذهب " عبيد الله " إلى بلاد المغرب وحكمها أربعة وعشرين سنة بعد أن مهد له طريق الحكم أبو عبد الله ( 297 هـ - 322هـ  , 910 م – 934م ) وأخضع له قبائل العرب والبربر , ولما صار الأمر كله بيده عمل على الضغط على أهل البلاد حتى يدينوا بالشيعة ولم يذر جهداً فى سبيل إبادة كل ما يخالف عقيدته أو الإباحات التى ظهرت إذ ذاك فى تلك الجهات ودان له الحاكم المسلم على جزيرة صقلية , ولما قويت شوكته ودان أهل البلاد لديانتة فخشى أن ينازعه " أبو عبد الله " سلطانه ففتك به وقتله خيانه غدراً مع أنه هو الذى أتى به إلى تلك البلاد داعياً لخلافته محارباً لإستتباب سلطانه 0

وكان من أكبر أمانى عبيد الله إحتلال مصر فأرسل لغزوها ثلاث جيوش على ثلاث مرات إثنان منهما بقيادة إبنه " أبى القاسم " فحال دون نجاحه فى إحتلالها تفشى المجاعة فى المغرب سنة 316 هـ - 928م ومره أخرى تفشى وباء فى الجيش المرسل وإنتقل المرض منه بالعدوى بعد عودته إلى أهل المغرب ولما لم يستطع مد رقعه حكمه إنشغل فى تدبير الأمور الداخلية بقية حياته

وفى سنة 322هـ - 934 م خلفهُ إبنهُ الكبير " أبى القاسم محمد" وقد لقب بإسم " القائم بأمر الله " وتطلع أبو القاسم إلى توسيع نطاق ملكه فأعد أسطولاً أغار على شواطئ كلاً من إيطاليا وفرنسا والأندلس وكان ينهب بلاد السواحل فى هذه البلاد , ولم ينسى حلم أبيه فى إحتلال مصر فأعد جيشاً قوياً وأرسله إلى مصر ولكن جيشه إنهزم من الجيش الذى قادة الإخشيد حاكم مصر فى ذلك الوقت , وظهرت له مشكله أخرى وهى ثورة فى الداخل قادها أبى يزيد الخارجى وأراد أن ينزع عنه الملك فلم يقدر التغلب عليه ولم يستقر الأمر له وكان حكمه مزعزعاً فى أوآخر أيامه 0

وخلفهُ " المنصور إسماعيل " سنة 334هـ - 946م فقهر أبى يزيد الخارجى سنة 336هـ 947م وقضى بقيه حياته فى الإهتمام بترسيخ حكمه داخلياً خوفاً من ثائر آخر فلم يحاول إحتلال مصر 0

-----------------------------------------------------------------------

 

(1) راجع دكتور جمال سرور , الدوله الفاطميه فى مصر , ص 87 ( عن تاريخ يحي بن سعيد الأنطاكى )

 ========================================================================================

الفصل الثالث : الخليفة المُعزٌ لدينْ الله الفاطمى ( 969م – 976م )

 ثم تولى إبنه الخليفة الرابع وإسمه أبو تميم مَعَدٌ وأطلق عليه لقب " المعُز لدين الله الفاطمى " وذلك كان سنة 341هـ - 953م فكان أيام المعز لدين الله بداية مرحله جديدة فى تاريخ الفاطميين , فقد إمتاز بحسن إدراكه للأمور وتربى تربيه عاليه وكان له بلاغه نادرة فكان يرتجل الشعر العربى, وكان له درايه كبيرة بكثير من اللغات فقد كان يتكلم كل من اللغه البربرية والسودانية والإغريقية ( اليونانية ) كما قيل أنه تعلم اللغة الصٌقْلبية أيضاً وقد حرص على تعلم هذه اللغات ليتحدث بها مع عبيده وجنوده الذين جلبهم من شرقى أوربا وسائر الأقاليم , كما كان سياسياً كثير الدهاء كريماً حريصاً على العدل شديد التمسك بأهداب الدين وقواعده 0

وإتبع الخليفة المعز خطة آباؤه وأسلافه , فبدأ بتوطيد دعائم حكمه فى المغرب حتى دانت له جميع رؤساء القبائل المغربية وخضعت له مراكش بأكملها حتى شواطئ المحيط الأتلنتى ( الأطلنطى )

ووضع هدفه إحتلال مصر ودرس الأسباب التى أدت إلى فشل الحملات الحربية التى أرسلها أجداده لإحتلال مصر , فحفر الآبار وبنى أماكن إستراحة فى الطريق المؤدى إلى مصر 0

 وكان يحكم مصر فى نفس الوقت الإخشيد فلما مات الإخشيد خلفة إبنه قاسم ولما كان قاسم صغير السن فقد حكم مصر وصيا حبشياً إسمه كافور حتى يبلغ قاسم الذى لقب بـ " بانوجور" السن القانونية حسب الشريعة الإسلامية ومات قاسم فى ظروف غامضة ومات أخيه أبوالحسن أيضاً بنفس الظروف الغامضة وإستقل كافور بالحكم إلا أن كافور لم يهنأ طويلاً بالحكم وفى نفس الوقت كان الخليفة العباسى فى بغداد منشغلاً بصد غارات القرامطة فلم يستطع مساعدة مصر ويقول الشيخ شمس الدين الذهبى فى تاريخه (1) "وطمع الفلاحون فى الجند وإمتنعوا عن وزن الخراج , فعند ذلك كتب أعيان مصر إلى المعز

لدين الله الفاطمى وكان فى بلاد الغرب ( المغرب) بأن يحضر للبلاد المصرية ويتسلم المدينة ويتولى عليها " فلما وقف المعز على هذه المكاتبات أرسل المعز أكبر قواده جوهر الصقلى المملوك الرومى بجيش قدم من المغرب كالجراد كان عدد أفراده مائه ألف مقاتل وأعدهم بافخر وأرقى الأسلحه فى ذلك الوقت ووضع المعز لدين الله تحت تصرف قائد جيشه جوهر مبلغ أربعة وعشرين مليون دينار فدخلوا مصر بلا قتال وفى زمن قصير إحتل جيشه مدينة الإسكندرية ثم الفيوم ثم زحف على الفسطاط وإستولى عليها ولم يلقى مقاومه تذكر بسبب تفتت الدولة الإخشيدية وإنقسامها إلى عدة أحزاب ولم يقف فى وجه الغازى إلا بقايا البشموريين الذين إنضموا إلى الأخشيدين وقد منع الإخشيدين المراكب فكان من نقل جنود جوهر الصقلى إلى الجانب الآخر ولكن كانت مياه الفيضان قليله فعرف رجال جوهر موضع المخاضة ( مكان جاف يمكن أن ينتقلوا عبره إلى البر الشرقى للنيل) وكان أمام بلدة شطانوف وعلم الإخشيدين بذلك وكان قائدهم رجلاً شجاعاً مقاتل إسمه فاتك وعسكره رجال أقوياء ولكن لم يتدربوا على الرمى بالنشاب – أما الجيش القادم من المغرب فكانت عساكرهم عراه ملتفين بأكياس من الصوف وكانوا إذا قاتلوا يجعلون أكيستهم على أيديهم ويقاتلوا بالسيوف والنشاب وكذلك الحراب – فأبادوا الإخشيدين – وكانت أعلامهم خرق مصبوغة عجيبة ملونة على أعمده من فضة فإذا رأى الجنود هذه الأعلام مرفوعه تثير همتهم ويحاربون بقوة علامه على النصر – أما الإخشيدين فإذا وضعوا الأعلام السوداء تكون علامة على إنهزامهم وإنسحابهم ورأى فاتك جنوده يهربون فنزل هو ومن معه من الجنود إلى أرض المعركه وشجع عساكره وقتل من يريد الهرب منهم إلا أنه إنهزم هو وعساكره وتبعوهم إلى بلبيس وأسروا قوادهم وكبلهم جوهر القائد الصقلى بالحديد وأرسلهم إلى مولاه المعز لدين الله ويقول الراهب القمص أنطونيوس الأنطونى (2)  : " أن جوهر الصقلى سحق هذه الثورة بسرعة عجيبة وبطش بالإخشيدين بطشاً عنيفاً " أما الأهالى فقد مقتوا الإخشيديين ولما سقطت مصر فى أيديهم أصبحوا سادة العالم العربى الإسلامى فى ذلك الوقت "

وتحولت مصر من إحدى ولايات الخلافة الإسلامية إلى ولايه تابعة للخلافة ولكنها مستقله ذاتياً , ولأول مره أصبحت مصر مركز للحكم بفضل الفاطميين وبالتالى أوصلوها إلى مكانة ساطعة بين الدول (3)

عوده إسم البشموريين يظهر فى تاريخ مصر

أما ثورة البشمورين (4)  ضد إحتلال الأسرة الفاطمية الإسلامية فقد قامت عندما حرضهم أمير إخشيدى إسمه تير (5) كان والياً على منطقة بشمور وكان يعرف شدة بأسهم فى الحروب فمنع جميع البشامرة من دفع الجوالى                ( الضرائب) شجعهم على العصيان وخطب فيهم قائلاً :" ساعدونى وأنا أحمى بلادكم وأعفيكم من دفع الخراج " فتبعه جمع كبير - وبلغت أخبار هذا الأمير الإخشيدى المعز لدين الله  عند وصوله مصر فأرسل حمله عسكرية لإخضاعه فلما رأو البشامرة كثرة عسكر المعز تشاوروا فيما بينهم وقالوا : " إذا إنهزمنا فسوف يبيدنا المعز وإذا إنتصرنا وساعدنا الأمير تير الإخشيدى على الوصول إلى الحكم لن نأمن على حياتنا منه " فتفرقوا كل واحد إلى موضعه فهرب الأمير تير وجنوده إلى دمياط وتبعه جيش المعز ولكنه فر فى مركب خارج مصر قاصداً فلسطين وعندما وصل يافا قبضوا عليه هناك ووضعوه بسقا سيرج لمده شهر حتى إنفصل جلده عن لحمه فسلخوا جلده وأصبح مثل زق ( وعاء) وملأوا جلده بالقش وصلبوه على خشبة .

ودخل جوهرالصقلى الفسطاط وقبض على زمام الأحكام بإسم مولاه وكعادة كل محتل يستعمر مصر هرقل ثم عمر بن العاص ثم العباسين ثم الفاطميين فإنهم جميعا فى بداية حكمهم يخففون الضرائب ويشرعون فى إصلاح شئون البلاد وحفر القنوات والترع فأصبح الفلاح يحرث ويزرع ويستغل أرضه فزاد المجصول وكثرت الثروات وحل الأمن بالبلاد 0

وبعث جوهر برسول إلى ملك النوبة وكان إسمه جرجس يذكرة بالجزية التى فرضت على أسلافة وعرض عليه إمكان الإعفاء من الجزية إن هو إعتنق الإسلام , فرد عليه الملك النوبى بإرسال المبلغ المطلوب (6) وكانت رسالة جوهر القائد لم تصادف إستحساناً أو قبولاً فى حكومة القسم الجنوبى من بلاد النوبة ولم يؤثر إرسال وفد من الرحاله بن سليم لإقناع أهل النوبه بلإسلام وعندما تسلم ملك النوبه كتاب جوهر أمر بعقد مجلساً من الأساقفة وعقلاء الأمة وأباح لأعضائة حرية البحث والمناقشة فى أمر هذا الكتاب وإنشغل هو بكتابة الرد أما الرد على كتاب جوهر فهذا نصة : " بعد السلام والتحيات .. ألخ – إننا ندعوكم

لإعتناق الدين المسيحى بدون إجبار أو شروط وأن أجدادى كانوا على الدوام يعاملون الغازيين للبلاد المصرية بكل إخلاص ومسالمة وإنى كنت أتأهب لعقد معاهدة مهمة معكم " وختم رسالته ببعض عبارات التودد الرقيقة ولم يذكر فيها شيئاً عن جزية الرقيق التى اشار إليها جوهر فى كتابه أما ابن سليم رئيس الوفد إعترض على رد الملك بل كتب كتاباً إلى الملك معدداً الغزوات والفتوحات بعد محمد صاحب الشريعة الإسلامبة وبينما كان بن سليم ومن معه مقيم فى بلاد النوبة حل عليهم عيد ألأضحى فدعى الملك رئيس الوفد وجماعة المسلمين وكان عددهم لا يزيد عن 60 نسمة فأقاموا الإحتفالات الدينية وقد ألفوا موكباً دينياً سار فى المدينة بين عزف الطبول النوبية وأصوات الأبواق وقد حاول بعض المقربين من الملك منع هذه المظاهرة الدينية فإنتهرهم الملك وزجرهم على تعصبهم القبيح ثم سافر الوفد وهم فى غاية الإرتياح وبذل رئيس الوفد المصرى كل ما فى وسعه ليقنع جوهر على عدم غزو السودان والإغاره على قبائله وبهذا أزاح ملك النوبة جرجس الشر عن بلاده من حسن معاملته لضيوفه وحرية الفكر والحكمة فعاشت الممالك المسيحية هناك فى أمن وسلام (7)

ولما إستتب الحكم لجوهر الصقلى بعد تنظيم الديوان قام بتخطيط مدينة شمالى الفسطاط نحو ميل من النيل بين الفسطاد وعين شمس فأحضر العمال الذين قاموا بالبناء فشاد القصور والدور الجميلة والحدائق الغناء وأحاطها بسور عال لحمايتها وسمى المدينة فى البدايه " المنصورية " ثم غيروا إسمها إلى  مدينه " القاهرة " وموقعها الآن وسط مدينة القاهره الحالية , وأقاموا حولها سوراً من الطوب اللبن وهكذا لأول مره فى تاريخ الحكم الإسلامى فى مصر أن يأتى غزاه يهتمون بالبلاد وأقاموا مركزاً شيعياً لهم هو الجامع الأزهر الذى هو مفخره الفاطميين ومركزا علميا متقدماً له طابعه الخاص وما زال وفنحوا بذهبهم الرخاء فى مصر وفتحوا باب الرزق أمام العمال وأصحاب المواهب الخلاقة ثم وضع على رأس كل إدارة من مصالح الحكومة موظفين أحدهما مصرى والآخر مغربى حتى يكون هناك رقابة 0

وعندما أكمل بنائها فى ثلاث سنين وتم بناء السور دعا مولاه المعز لدين الله الفاطمى ليجلس على كرسى ملكه الجديد فقدم من المغرب إلى القاهرة وسكن فيها لهذا تسمى مدينة القاهرة " قاهرة المعز لدين الله الفاطمى " فنزل الخليفة فى القصرين

 الأزهر

وبنى بالقاهرة " الجامع الأزهر " وهو فى الأصل جامعاً شيعياً سنة 359هـ -361هـ , 970 م – 972 م أنشئ خصيصاً لنشر مذهب الفاطميين الشيعى كجامعة فلسفية لدراسة العلوم الدينية .

وقد جعل الفاطمين للأزهر هدفاً مزدوجاً : - الأول : كونه جامعاً يؤدى فيه المسلمون الصلاة .. الثانى : كان أول من جعل لطلاب العلم فيه إعانات مالية وعينية تشجيعاً لهم على الدرس والإجتهاد (8)

وكان حكم الفاطميين الدينى مبنى على أساس المذهب الدينى الشيعى ولما كان غالبية أهل البلاد يدينون بالمذهب السنى فكان على الحكام أن يعرفوا ما يدور فى داخل أذهان العامة ويحاولون بكل الطرق تشكيلها فكانوا يسيرون الناس لجمع المعلومات وشراء ذمم الناس أحيانا بالمال وأحياناً بالعنف ولم يجد المعز لدين الله أيه معارضه حين أبطل العمل بالمذهب السنى فى مصر  وتحول الناس جميعاً فى هدوء إلى المذهب الشيعى لأن الحكام كانوا فاطميين يتبعون المذهب الشيعى وتم هدم مسجد عمرو بن العاص أول مسجد أقيم فى افسلام على أرض مصر وحل محله المسجد الأزهر وهو أقيم أصلاً لتدريس علوم المذهب الفاطمى على وجه الخصوص وعندما أحرقت السلطة كل كتب السنة لم يرتفع صوت واحد بالإحتجاج إنصرف الناس إلى أعمالهم كالعادة وإهتموا بشئونهم كما كانت الحال من قبل , شاعر واحد رفع صوته بالإحتجاج فضربت عنقه أمام الجامع الأزهر بعد صلاة الجمعة ثم هدأ الجو تماماً وصفت الأحوال وإنتهى كل شئ فلم تعد هناك معارضة ونزع مشايخ الإسلام زيهم الأسود شعار الغساسنة العباسيين وإرتدوا الزى الأخضر شعار الشيعيين والفاطميين  (9)

 

القلاقل تواجه الفاطميين قبل وصول الخليفة الفاطمى

 

ولم تكن بلاد النوبه هى التى خضعت فقط للخليفة الفاطى ودفعت الجزية ولكن ما لبث أن دانت له مكة والمدينة – كما إعترف الوالى على شمال الشام الأمير الحمدانى بالسيادة على حلب , أما دمشق فقد كان أهلها شديدى الكره للشيعة منذ خلافة معاوية بن أبى سفيان فقاد جوهر حملة لإخضاعها فإحتلها ونشر عقيدة الشيعة بين أهلها كَرهاً

وبينما كان جوهرالصقلى ( كان جوهر عبداً يونانياً قدم هدية إلى المعز ومن هنا كنى بـ الرومى أو الصقلى (10)  ) يدبر أمور مصر لصالح الفاطميين داهمه خطر كاد يقضى على الخلافة الفاطمية قبل توليها السلطة فى مصر سنة 360 هـ – 971 م  ولما دانت دمشق للفاطمين عندما إستولوا علي المدينة فقد حدث أن زعيم القرامطة كان يأخذ جزية من دمشق فغضب لإنقطاع الجزية ولم يمنعه أن تكون عقيدة القرامطة والشيعة واحده وتواطئ زعماء دمشق معه فأغار على مدينة دمشق وأخرجها من أملاك الفاطميين وإستولى عليها ثم سار بجيشة إلى مصر وأفلح زعيم القرامطه وحلفائة من السوريين فى الوصول إلى مشارف القاهرة وحاصروها لمده شهرين كاملين وأخيراً إستطاع القائد المتمرس فى القتال جوهر أن يضرب هؤلاء الزاحفين فهُزمهم أمام القاهرة وفروا هاربين حتى أن فلولهم المنسحبه تخاصمت ودب بينها الشقاق .

وبعد إستباب الأمن السلام فى أرض مصر رأى المعز أنه قد حان الوقت لذهابه إلى القاهرة , فترك المغرب فى موكب حافل ومعه بنوه وإخوته وعشيرته وجثث أسلافه , ووصل إلى القاهرة سالماً سنة 362 هـ 973 م 0

وقالت ايريس حبيب المصرى المؤرخة (11) (عن وصول المعز لمصر : " أنه عنما أحس جوهر الصقلى أن السوريون يستجمعون قواهم ليعاودوا غزو مصر ( لإرجاعها إلى السنية ) فبعث إلى المعز يطلب إليه أن يحضر بنفسه للقاهرة التى أتم بنائها , وأن يتخذها عاصمة بدلاً من تونس لكى يكون على مقربه من الأقطار السورية التى لا يطمع حكامها فى الإنفصال عن مصر فحسب بل يراودهم الأمل فى أن يستولوا عليها أيضاً .. ورأى المعز الحكمة فى هذا الطلب فعمل به وحضر إلى مصر فى موكب حافل جمع بين وزرائه وقواد جيشه وجنوده , وقد سار بعض الجند خلفه وهم يحملون توابيت أسلافه الذين رأى أن تضمهم أرض مصر لإثبات سلالته الملكية وأصوله الوراثية (12) وعندما دخل المعز مدينة القاهرة فى شهر رمضان شك العرب المسلمين السنين فى نسب هذا الخليفة لأن مصر تدين بالسنية خلاف الفاطميين الذين يدينون بالعلويه ولغط الناس بأصله وفصله عند دخوله فمنهم من نسبه إلى النبى ومنهم من نسبه إلى أصل مجوسى وكانت الأغلبيه أنه من أصل مجوسى (13) فسأله أشراف مصر وكبارها فقالوا له : " إلى منٌ ينتسب أمير المؤمنين ؟ .. فقال : "

سنعقد مجلسا وندعوا فيه كل من يريد أن يعرف نسبنا ونسرده عليكم " وفى اليوم الذى حدده دعا كبار وشيوخ مصر إلى قصره فى مجلس عام وجلس معهم  فلم يقنع النٌساُبة بصحة سلالة نسبه فسَل نصف سيفه وقال : " هذا نسبى" ثم نثر عليهم ذهباً وقال : " هذا حسبى ودليلى "

فقالوا : " سمعنا وأطعنا " (14)

ثـــروة المــعـز

أما عن ثروة الخليفة وأفراد عائلته فهى فوق كل تصور , فعندما وصل المعز لدين الله الفاطمى إلى القاهرة كان معه ألفان وخمسمائة جمل موسوقة ذهباً خالصاً  وكان معه من القماش والتحف مالم يسمع بمثله !!! " (15)  وذكرت المراجع التاريخية أن إحدى بناته ماتت وتركت ثروة ما تعادل إثنين مليون دينار وأخرى ماتت وتركت خمسة أكياس من الزمرد ومقادير وافرة من الأحجارالكريمة علاوة على 3 الآف إناء فضى مطعم (16)

وقال جاك تاجر فى كتابه أقباط ومسلمون (17): على أن الفاطميون لما وصلوا إلى مصر عملوا فى الحال على كسب عطف السنيين وتقديرهم وكان هذا إجراء عملياً من لدنهم فإن أول خطبة ألقاها الخليفة المعز لدين الله الفاطمى وذكرها معظم المؤرخين تتضمن هذا الإتجاه فقد صرح الخليفة للجموع التى خفت إستقباله بالقرب من منارة الإسكندرية : " إنه لم يسر إلى مصر لإزدياد فى الملك أو المال , وإنما سار رغبة فى الجهاد ونصرة المسلمين وإقامة الحق والسنة "(18)  ويقال أن المعز عندما كان يخطب فى الجموع يجعل البعض منهم يذرف الدموع تأثراً وبعد وصوله بشهر واحد جلس يتسامر مع الرهبان فى دير لهم بالجيزة وكانت هذه الزيارة مقدمة لزيارات متتالية . وكان إلى جانب ذلك جواداً كريماً منصفاً يحب العدالة . (19)

وفى سنة 363 – 974م زحف القرامطة على مصر ثانية وطاردوا جيوش المعز داخل القاهرة , فإستمال المعز أحد رؤساء حلفائهم من البدو بالمال فتخلى عن القرامطة وإستطاع المعز أن ينتصر على البرامكة وردهم على أعقابهم  أما البدو فقد إكتشفوا أن المال الذى أخذوه من المعز كان أكثره زائفاً

ثورة مسلمو تانيس ضد الفاطميين

قال الأنبا إيسوزورس (20) - : " ولما دخلت مصر فى حكم الدولة الفاطمية تعصب ضدها مسلمو مدينة تنيس ورفعوا راية العصيان وعاثوا فى الأرض فساداً فنهبوا أغنياء النصارى وخطفوا بناتهم الأبكار ونساءهم وفضحوهن وإستمروا يظلمون العباد ويخربون البلاد " وفرضوا على أهلها جزية كبيرة ولم يكن أحد يجسر على مقاومتهم إلا أن أولاد قشلام وهم من نصارى تانيس سموا بهذا الأسم لأن أبوهم كان رجلاً حكيماً عندما رأى ظلم هؤلاء الفرسان المسلمين قد كثر كتب رسائل سرية إلى الخليفة المعز يخبره بجميع أفعالهم ويطلب فيه المعونه وقال فى رسالته : " أن فى مملكتك مدينه تسمى تانيس فيها ألف رجل مسلمين يفعلون كذا وكذا وشرح فيه جميع أفعالهم والآن يجب على الخليفة أن يرسل أميراً من عنده ليصبح واليها ويكون معه عساكر قويه وانا أساعده فيما يحتاج إليه " فأرسل المعز رجلاً كامى إسمه مشعلة ومعه رجال كثيرون فلما وصل قفل المتمردون أبوب المدينه فى وجهه وإستمروا يقاتلونه ثلاثه اشهر لأن المدينه فى البحيرة وعندما يكون نهر النيل عالياً يملأون منه صهاريجهم التى يشربون منها لمدة ثلاثة شهور ثم تصبح مياه الصهاريج مالحة لمدة تسعة أشهر فيضطرون أن ينقلوا المياه الحلوه من النيل بواسطة المراكب على بعد يوم من مدينة تانيس فعطش من فى المدينة ونفذت المؤن وضجوا وتضايقوا وكانوا يريدون حرق المدينة فنادى أولاد قشلام رؤساء العصابة وكان عددهم مائة رجل وكلمهم على السور : " إلى متى نضيق على هذه المدينة ونبقى هكذا فإن أطعتمونى كنت سفير بينكم وبين الأمير مشعلة وأخذت إليه منكم عن كل واحد عشرة دنانير وهدية حسنه فيوليكم على هذه المدينة فليس لكم طاقة لمقاومة السلطان " فإستصوبوا قوله وقالوا له : " أنت تكون الواسطة فى هذا الأمر ومهما قلته لنا فلن نخالفك " فتفرق الشباب ولم يبق معه إلا قوادهم المائة وهم من شيوخ المسلمين فأمرهم قشلام بفتح الباب وخرج منه هو والشيوخ وأغلق الباب ومضوا إلى مشعله فأعلمه قشلام بما جرى وإتفاقهم الذى كان  فأخذ مشعلة منهم ألف دينار ومائة وهدية ثم كتب بخط يده خطاب أمان " ألا يظلمهم" فإطمأنوا إليه وعادوا إلى المدينة وطالبوا البقية بدفع عشرة دنانير عن كل واحد وهدية وأروهم التعهد الذى كتبه مشعلة ففرحوا وإطمأنوا وفتحوا أبواب المدينة ودخلها مشعلة وجنودة بمجد كبير وعظيم ودعاهم جميعاً إلى حفلة وكان يضمر لهم الشر وكان قد أخبر قشلام بالأمر فلم يستطع أن يفعلوا شيئاً فقدم   لهم طعام وشراب وحلف لهم برأس المعز أن: " لا يمضى أحد منكم

_____________________________________

(20) الخريده النفيسه  فى تاريخ الكنيسه للأسقف الأنبا إيسوزورس طبع القاهره 1923 ص 244

إلى منزله ثلاثة ايام بل تقيموا عندى تأكلوا وتشربوا معى " وبعد ثلاثة أيام سكروا من الشراب فأغلق عليهم الباب وأمر عساكره بذبحهم جميعاً فذبحوا وصلبهم على سور المدينة التى فسدوا فى أهلها قبل الصبح وعندما أشرق الصباح أبصرهم أهل المدينة فخافوا خوفاً عظيماً ثم أمر بهدم سور تانيس فهدم ولا يزال مهدماً حتى الآن ً فلم يبق منهم ولم يذر "

 

سبع سنين عجاف على كل أرض مصر

 

عندما ذكر العهد القديم قصة يوسف ذكر المجاعة التى أصابت مصر لمدة سبع سنين وقد أنقذ يوسف مصر بقوة الرب , وقد أصابت مصر فى عهد المعز مجاعه من هذا النوع فيذكر إبن المقفع : أنه فى أول سنه من ملك هؤلاء المغاربة كان النيل شحيحا فلم تروى الآرض فبدأ الغلاء – وفى السنة الثانية أوفى النيل بماءه وأفلح الناس فى زرعهم لكن هاجمته كم كبير من الفئران فهلك الزرع – وفى السنة الثالثة لحق الزرع ريح شديدة أهلكتة – وفى السنة الرابعة نزل على الزرع جراد عظيم فأكلة وظل الغلاء يتزايد حتى تمام السبع سنين وخلت بلاد وقرى مصر من ساكنيها لكثرة الموت والجوع الشديد وفى السنة السابعة بلغ القمح نصف ويبة وربع ويبة بدينار , وخربت عده كراسى لأسقفيات لخلوها من الأقباط ولم يرسم لها أساقفة (21) فإضطر البطريرك أن يضيفها إلى كراسى عامرة بالناس المجاورة لها وهى ترنوط أوراط نستروه أنحاوا اصطف جريوط أبوسوا ابورسا دقهله نقيوس وأماكن كثيرة أخرى لم تسجل ويعتقد بعض المؤرخين أن هذه المجاعة حدثت فى أواخر حكم الإخشيد وقبيل حكم الدولة الفاطمية ما بين عامى 934م – 968م وهناك تحليلاً لآراؤهم هو إما أن تكون حدثت مجاعة أخرى فى أيام الإخشيد أو أنه مجاعة واحدة حدث خلط بين التاريخين وفى النهاية إستقر السلام فى ربوع الوادى وعم الرخاء ولم يكن الرخاء المادى وحده هو سبب الإستقرار فقد كان المعز منصفاً يحسن معاملة الناس فإقتدى به جميع ولاته فى الأقاليم , ولما كان يهتم بإرساء قواعد العدل إهتماماً بالغاً فقد كان كثيراً ما كان ينظر فى بعض القضايا المعروضة بنفسه , كما أبدى إهتماماً بمنسوب النيل ومدى إرتفاعه وإنخفاضه , فكان يذهب بنفسه ليراقب مقياسه ويعلن بفمه مقدار إرتفاعه على الشعب , فآنس إليه المصريون وإلتفوا حوله (22)

إنشاء مدينة القاهرة

وكان عهد المعز من أزهى العصور التى مرت عليها فزادت ثروة البلاد زيادة كبيرة وإنتعش الإقتصاد وراجت التجارة , وكانت القاهرة تسمى فى ذلك العصر " المدينة" أما مدينة القاهرة الحالية  فتتكون من عده مدن قديمة بنيت فى عصور مختلفة وأطلق عليها إسم واحد هو القاهرة والمدن القديمة هى (23)  :-

1.                                بابليون أو قصر الشمع :  ويطلق عليها الآن مصر القديم  وقد أسسها البيزنطيون – ويذكرها المؤرخون وخاصه إبن المقفع بإسم مصر

2.                                أم دنين : وهى الآن قلب القاهرة – منطقة محطة مصر

3.                      الفسطاط : بالقرب من عين الصيرة وقد أسس هذه المدينة عمر بن العاص      

4.                           العسكر : بين الفسطاط وجبل المقطم وقد أسس هذه المدينة العباسيون .

5.                                القطائع : بجوار مدينة العسكر عند جامع إبن طولون , وأسسها أحمد بن طولون

6.                                القاهرة : وهى المنطقة التى فيها الجامع الأزهر , وقد أسسها الفاطميون فى عهد المعز لدين الله الفاطمى عام 969 والذى حدثت فى عصره معجزه نقل جبل المقطم وذلك بعد عشرة أعوام من إنشاء مدينة القاهرة . 

 ولكنها كانت فى الواقع عبارة عن قصرين عظيمين وملحقاتهما بهما من السكان ثلاثون ألف جندى وكان بين القصرين ميدان فسيح وواسع يسع عشرة ألاف جندى , وعندما إستولى جوهر الصقلى على مصر لم تعجبه عواصم

 

مصر الثلاث التى إندمجت وأصبحت عاصمة واحده فقرر بناء عاصمة جديده عند سفح الجبل الذى سمى فيما بعد بالمقطم فى أقصى الشمال من الفسطاط عاصمة العرب الأولى وقد أطلق على العاصمة الجديدة فى البداية إسم المنصوربة ثم غيروا إسمها إلى القاهرة وأقام حولها سوراً من الطوب اللبن وجعلوا لها ستة أبواب أربعة منها فى الجهات الأصلية وبابان سريان كان يعرف أمرهما قائد الجيش والخليفة شخصياً وعند إنتهاء بناء السور جاء المعز " راجع مصر من تانى – محمود السعدنى – دار كتاب صدر عن دار أخبار اليوم ص 32

 كيف إستمال المعز قلب المصريين
 وبذل المعز غاية جهده فى راحة المصريين فإستطاع أن يكتسب محبتهم وطاعتهم وإحترامهم له فكان عادلاً فأدار حكمه بتبصر فى جميع دقائق الأمور فكان يراس بنفسه حفله قطع الخليج ( إطلاق مياة الفيضان فى الخليج ) ويفرح مع الشعب , وزاد من محبه المسلمين له أنه دأب على إرسال كسوة فاخرة للكعبة سنوياً فى إحتفال كبير ومنع جنده البقاء فى المدينة بعد الغروب حتى لا يحتكون بأبناء الشعب المصرى فيحدث هياج وقلاقل , وألغى نظام جباية الجزية والخراج بواسطة الملتزمين فقد كانوا يجنون أرباح باهظة من وراء جمعها وبذلك زاد الخراج بدون أن يضر بمصلحة البلاد والمزارعين . وشهد عصر المعز عدلاً فى توزيع مناصب الدوله فتقلد فى عهده الأقباط كثير من المناصب الحكومية العليا 0
وبهذا الأسلوب دانت مصر للفاطمين جميعاً من مسلمين ومسيحيين إلا أن تقاليد الشيعة لم ترق يوماً فى عينى السواد الأعظم من مسلمى مصر لعقيدتهم السنية ولكن محمود السعدنى له رأى آخر (
24) فقال : " تحول الناس فى هدوء إلى المذهب الفاطمى – وتم هدم مسجد عمر بن العاص أول مسجد أقيم فى الإسلام على أرض مصر وحل محله المسجد الأزهر وهو أقيم فى الأصل كجامعة لتدريس علوم المذهب الفاطمى على وجه الخصوص وأحرقت السلطه كل كتب السنة ... شاعر واحد رفع صوته بالإحتجاج لم يهتم التاريخ بذكر إسمه أسرعت السلطة فضربت عنقه أمام الجامع الأزهر بعد صلاة الجمعة ... ونزع مشايخ الإسلام زيهم القديم الأسود شعار العباسيين وإرتدوا الزى الأخضر شعار دولة الفاطميين " 0 (25)
إلا أن جاك تاجر له رأى آخر فقال : وكان المعز يدرك تماماً أنه لن يستطيع حكم البلاد وهو أمام تيار من العداء العام , ولما كان الشيعيون غير محبوبين فى مصر والشام فقد حاول أن يتقرب من السنيين وذلك بإظهار شئ من النفور إلى الذميين فألغى التقليد الذى بدأه الإخشيدين من حضور الحفلات الخاصة بالنصارى ومنع الأقباط فى عيد النيروز من جمع الحسنات من العظماء
 ومن رش الماره بالمياه العكر أو إشعال الصواريخ فى هذه المناسية كما حرم عليهم نصب الخيام والتنزه بالزوارق فى الليل بالقرب من المقياس فى ليلة الغطاس وهدد بالإعدام شنقاً كل من يخالف أوامره – فكف النصارى عن الإحتفال يهذه الأعياد طيله عهده (
26)
ويقدم الأستاذ د/ جمال الدين سرور فى كتابه الدولة الفاطمية فى مصر (
27) يقدم رأياً مخالفاً عما سبق فقال: " أن بعض خلفاء الفاطميين بعد أن جاءوا الى مصر بمذخب شيعى خالفوا به جمهور المسلمين , وجدوا أنهم بحاجه إلى من يعاونهم تثبيت سلطتهم . ولما أيقنوا أنه من المتعذر عليهم الإعتماد على السنيين فى مصر – وهم أصحاب الدعوة العباسية – قربوا إليهم أهل الذمة وأظهروا كثيراً من التسامح . وإستخدموهم فى أهم شئون الدولة . على أن هذه السياسة لم يتمسك بها الفاطميون . فكثيراً إضطروا إلى العدول عنها" إلا أن رأى د/ سرور لا يستند على برهان واحد تاريخي لأن التاريخ يذكر أن الأقباط كانوا دائما هم العاملين الشرفاء والأمناء فى خدمة الدولة فتزدهر الدولة وتتقدم بهم وعندما يقصونهم الخلفاء من مناصبهم فى عصور الإضطهاد تتدهور الدولة وتتأخر إلا أن راى الدكتور سرور قاله للدفاع عن تحول المسلمين السنيين إلى الشيعة وهم تحت الحكم الفاطمى
 

 

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

مراجع هذا الفصل

(1) راجع مصر من تانى – محمود السعدنى – دار كتاب صدر عن دار أخبار اليوم ص 31

(2)  الراهب القمص أنطونيوس الأنطونى فى كتاب وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها من بعد الآباء الرسل حتى عصر الرئيس الراحل السادات ( منذ عام 150 إلى عام 1981 ) رقم الإيداع 9836/95 المطبعة ص 149 – دار الطباعة القومية بالفجالة

(3) تاريخ الأمة المصرية – المجلد الرابع : مصر الإسلامية من الفتح العربى إلى الفتح التركى ( باللغة الفرنسية) – جاستون فييت ص 19

(4) البشموريين هم محاربون أشداء وقفوا ضد الغزو العربى منذ بدايتة وقاومو عمر بن العاص مقاومة شديدة لمدة سبع سنين وهم من الأقباط الذين تزاوجوا مع الأروام وسكنوا منطقة المستنقعان شمال الدلتا وهى منطقة خطرة لا يعرف دروبها إلا هم وظلت مقاومتهم بين الفوران والخمود حتى كانت ثورتهم الأخيرة على الحكم العباسى وأخيراً قضى عليهم الخليفة العباسى المأمون

(5) أشتهر أنه بنى المسجد بظاهر القاهرة

(6) تاريخ مصر فى العصور الوسطى 0 بالإنجليزية ) – ستانلى لين بول  ص101- 105 وأيضاً راجع كنيسة الإسكندرية فى أفريقيا لزاهر رياض ص 168- 169.

(7) كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900  الجزء الثانى ص 8-10

(8)  القاهرة – تاريخها وآثارها لعبد الرحمن زكى ص 17

(9) صفحات من تاريخ مصر 2- تاريخ مصر إلى الفتح العثمانى – تأليف عمر الإسكندرى و أ. ج. سَفِدْج – مكتبة مدبولى 1410هـ -1990م ص 33

(10) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م  إعداد  د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951ص 119

11) قصة الكنيسة القبطية – وهى تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية التى أسسها مار مرقس البشير – بقلم المتنيحة أيريس حبيب المصرى- الطبعة السابعة 2000 – الكتاب الثالث ص 17

(12) تاريخ مصر فى العصور الوسطى 0 بالإنجليزية ) – ستانلى لين بول  ص 108

(13) راجع مصر من تانى – محمود السعدنى – دار كتاب صدر عن دار أخبار اليوم ص 32

(14) الخريده النفيسه  فى تاريخ الكنيسه للأسقف الأنبا إيسوزورس طبع القاهره 1923     ج2 ص 252-253

(15) راجع مصر من تانى – محمود السعدنى – دار كتاب صدر عن دار أخبار اليوم ص 32

(16) صفحات من تاريخ مصر 2- تاريخ مصر إلى الفتح العثمانى – تأليف عمر الإسكندرى و أ. ج. سَفِدْج – مكتبة مدبولى 1410هـ -1990م ص 214

(17) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م  إعداد  د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951 ص 118

(18) المقريزى – إتعاظ الحنفاء ص 88

S. Lane P . 99   (19)

(21) وهى كلمة تعنى كنيسة صغيرة أو ضيقة

(22) سيرة القديس سمعان الخراز " الدباغ" المؤلف والناشر كنيسة القديس سمعان الدباغ بالمقطم – الطبعة الرابعة أبريل 1996 المطبعة دار إلياس العصرية رقم ألإيداع 11190/ 1993ص 18

(23)  كتاب د/ حسن الباشا - القاهرة

(24) راجع مصر من تانى – محمود السعدنى – دار كتاب صدر عن دار أخبار اليوم ص33
(
25) راجع مصر من تانى – محمود السعدنى – دار كتاب صدر عن دار أخبار اليوم ص 32

(26) تاريخ الكنيسه القبطيه للمتنيح القس منسى 1899- 1930م ص 436

(27) تاريخ مصر فى العصور الوسطى 0 بالإنجليزية ) – ستانلى لين بول  ص 104 - وراجع أيضاً مختصر تاريخ .. لجاستون فييت ج2 المبجث الثانى ص 180

=======================================================================================

الفصل الرابع : الأنبا مينا البابا رقم 61- (البطريرك المتزوج)

 عاصر هذا البابا من الحكام أبو قاسم الإخشيدى وأبو الحسن على الإخشيدى وكافور أبو المسك  وأبو الفوارس والمعز لدين الله الفاطمى وكانت مده إقامته على كرسى مار مرقس 17 سنة و 11 شهراً

رسم الأنبا مينا بطريركاً سنة 673 شهداء عاصر هذا البابا عصر الولاه المستقلين وكانت مصر تابعة إسمياً لخليفة بغداد ولكن ليس له سلطة حقيقية على البلاد ولكن الحاكم الفعلى كان الإخشيد وقد مكث ثلاث سنين قبل أن يصرح برسامة الأنبا مينا بطريركاً .

كان فى دير أبى مقار فى وادى هبيب راهب قديس من قلاية تعرف بدربنا وكان هذا الرجل مختار أما قصه رهبنته أنه من أهل بلده إسمها صندلا أبواه أجبراه على الزواج فى صباه بغير إختياره لأنه كان وحيدهما وكان مطيعاً لهما جداً وجهزوا كل إحتياجات الفرح وكان الرجل يرى أن كل ما يتم حوله هو خيال أو منام ولما تمت الأيام وجد نفسه فى حجلته مع زوجته فى حجرة واحدة وكانت من أهله وقريبته فجلس وقال لها : يأختى ماذا نربح فى هذا العالم فهل نقوم الآن ونجتمع ونكمل شهوة الجسد ونرزق ببنين وبنات ؟.. فما الفائدة فى ذلك ؟.. وماذا نربح ؟ ..أليس فى النهاية موت ؟ والقبر نهايتنا ولا بد منه كما هو مكتوب العالم يزول وكل شهواته والذى يفعل الخير يدوم إلى الأبد – فطاب قلب المرأة بهذا الكلام ومثله وظلا الأثنين يتكلمان بالكتب المقدسة لحفظ طهارة أجسادهما , ومكثا ثلاثة أيام حتى قوى إيمانهما وأمانتهم على هذا الطريق الشاق ثم قال لها : " يا أختى قد طاب قلبنا بعضنا مع بعض على إكمال هذا الأمر فإجلسى أنت فى بيتك وأمضى أنا إلى وادى هبيب أترهب وإحفظى هذا السر الذى إتفقنا عليه ولا تعلمى به أحد " فقالت : " نعم " وكانت قد وضعت فى نفسها أن تقتدى به وتعيش حياة البتولية والتعبد – وإتفقا معا على عيشة البتولية - وفى اليوم الرابع نهض ليلاً وذهب خلسه إلى وادى هبيب وفى اليوم التالى من تركه لبيته سأل أهله زوجته عنه وذلك بعد تمام إسبوع  من زواجه ليفرحوا بالعريس كعاده أهل هذه القرية فقالت زوجته لهم :  " خرج من عندى منذ بدء الليل " فذهبوا وراءه ولم يجدوه – وأصبح فرح العرس حزن وكآبة وإنقضت ايام وهم فى حزن شديد عقب الفرح , أراد أهل المرأة أن يأخذوها عندهم ليزوجوها رجلاً آخر فلم تقبل المرأة مشورتهم وقالت لهم : " الأمر الذى قضى علىٌ به الرب أرضى به , أنا أقيم فى بيتى هذا حزينة على زوجى إلى يوم وفاتى " .

ومكث مينا فى قلاية دير نابا تابعه لدير الأنبا مكارى الكبيرعند راهب شيخ قديس فعلمه مخافة الرب ولما عرفه السر ألبسه ثياب الرهبنه وأخفى أمره ثلاث سنين ولم يعلم به أحد ممن يعرفه .

وأقام مينا ثلاث سنين فى الدير وأمره مخفى عن ابيه واهله ثم عرفوا بعد ذلك خبره وانه حى وقد ترهب وانه موجود فى دير ابى مقار ومضوا هناك ليطمأنوا عليه فرأوه خادماً للرب ممجداً له – أما المرأه فحفظت العهد الذى تعاهدا سوياً عليه ولم تنقضه , وأقام مينا زماناً طويلاً فى وادى هبيب واصبح سائحاً (1) وحدث أن تنيح الأب أنبا تاوفانيوس البطرك رقم 60 فإجتمع الأساقفة والأراخنة ليقيموا عوضه فبلغهم خبر أب شيخ قديس أب القلاية لرهبان كثيرين وعبادته فى الديارات وأن لديه علم فذهبوا إليه فلم تكن لهم القدره على أن يحلفوه أو يكلموه بما لا يريد ولم يزعجوه لأجل قداسته بل خاطبوه بكل إحترام ووقار وقالوا:" لقد حضرنا إليك يأبانا القديس ندعوك لأمر إلهى لتكون لنا أباً على الكرسى الرسولى وكلنا نعمل لك مطاونات لأجل إلهنا فلا تردنا خائبين بل نرجوك أن تقبل مساعينا من جهد الرب " وسجدوا جميعاً له , فلما فعلوا ذلك ورأى أنه مغلوب معهم قال لهم : " إرفعوا رؤوسكم فلن اخالفكم فلما رفعوا رؤوسهم وهموا بوضع أيديهم عليه لرسامته قال لهم : " بأمر من الرب إسمعوا منى ما أقوله لكم أنتم تروننى شيخ كبير ولا أقدر على الحركة لإتمام هذا الأمر لأنه أمر عظيم ومجيد وأنتم عارفين قوانين الكنيسة وما يجب فيها – أنه ينبغى أن يكون المتقدم إلى هذه الرتبة وسط السن لا شيخا فانى ولا شاب لئلا تعذبه شهوة الجسد ولا زايد فى الكبر لئلا يثقل عليه جسده ولا يقدر أن يقوم بما يجب فعله " فقالوا له : " لن نتركك إلا أن تعرفنا من يصلح لهذه الرتبة فلما علم انه لن يتركوه حتى يدلهم على غيره فقال لهم : " ولدى مينا يصلح لهذا الأمر وانا اشهد له بذلك وبحسن طريقه نحو الرب الإله وانه عالم وسنه متوسط فصاحوا جميعاً فى وقت واحد : " مستحق .. مستحق .. مستحق "

ثم قاموا إليه واخذوه قهراً وقيدوه بالحديد فى رجليه وحملوه (2)

_____________________________________

 

إلى الإسكندرية ورسموه فيها بطركاً وعاد معه الأساقفه والشيوخ فإجتاز بقريته فذهب إليها ليسلم على أهله فلما سمعوا بحضوره خرجت قريته والقرى المجاورة بالمجامر والصلبان ودخل إلى منزل ليستريح فلما جلس والجمع حوله حضر إنسان شرير من أهل قريته فقال لأحد الأساقفة : " أليس أنتم تقولون أنه لا يجوز لمن تزوج أن يصير بطريركاً " قال : " نعم " فقال : " هذا تزوج وزوجته باقية إلى الآن عندنا فى القرية " فلما سمع هذا الأسقف هذا الخبر حزن واخبر باقى الأساقفة الذين معه وقال لهم : " يا أخوه إعلموا أننا قد أصابتنا مصيبه عظيمة وفضيحة وصرنا عاراً عند كل واحد وعرفهم الخبر " ويقول إبن المقفع (3) عندما سمع الأساقفة الخبر أنهم : " سكتوا وصاروا كالسكارى بغير خمر من الحزن "  وتشاوروا وإتفقوا على خلعه من وظيفته فعقدوا مجمعاً ليتحققوا من الأمر وقالوا له : " لقد عرفنا أنك متزوج وقد فعلنا معك ما لا تجوزه قوانين الكنيسة ولم نستقصى ولم نبحث فقل لنا الحقيقة فقال لهم : " فلما رآهم البطريرك يتشاوروا حس بأمر إنزعاجهم الشديد الأمر صحيح  لكن إحضروا لى المرأة " فأحضروها فقال لهم البطرك عرفيهم السر الذى بينى وبينك فأخبرتهم بأنه لم يعرفها معرفة زواج البتة فلما سمعوا قولها مجدوا الرب عند معرفتهم الخبر من المرأة نفسها وجميع أهلها وكيف أن المرأة عاشت بتول بدون زواج حتى لحظة سؤالهم وشهد أهالى صندلا بصدق حديثها وعفتها وخدمتها لهم وإستقامتها التامة قائلين : " قد إحتفظت العفيفة بالعفة والطاهرة بالطهارة " ومجدوا الرب وضربوا له مطاونه .

وكان الأنبا مينا البطريرك مقيماً فى الريف عندما بدأت السبع سنين العجاف فلما إشتد الغلاء أكثر إنتقل إلى قرية تابعة لـكرسى تيدا تعرف بإسم محلة دانيال وقال أبو المكارم فى مخطوطه (4): " وكان أنبا مينا البطريرك 61 قد بنا فى هذه المحلة مذبح على إسم القديس مرقس الإنجيلى وعمل عليه الميرون المقدس لكونه لم يقدر أن يذهب إلى الإسكندرية ولا وادى هبيب بحكم الغلاء الذى كان فى بداية خلافة المعز لدين الله من العلويين فى مصر " وحدث أن إمرأه من أهل بلقونة غنية محبه للرب إسمها دينة قامت فى أيام الغلاء تخدم البطريرك وتلاميذة وتقوتهم وتحضر كل ما يطلبونه وما يحتاجونه أطلق عليها الأنبا ساويرس لقب شرفى هو " رييسه" وهو يقابل كلمة " الأرخن " القبطية دليل على مكانة المرأه فى الكنيسة القبطية وظل لمده سنة لم يذهب إلى الإسكندرية مركز رئاسته ولم يمضى أيضاً إلى وادى هبيب ( النطرون )

ليرفع الميرون المقدس فبنا مذبح لطيف (5) فى محله دانيال على إسم القديس مرقس وحمل عليه الميرون , ولما إنتهت أيام الغلاء السبعة وأنعم الرب على الناس بالرخاء عاد أهل الغربية إلى أماكنهم فلم يجدوا قمح يزرعونه فإستورده التجار من الشام –

وقد جلس على الكرسى المرقسية  لمده ثمانية عشرة عاماً ثم توفى البابا الأنبا مينا البطريرك فى 3كيهك سنة 687 ش و 975م وكان فى آخر أيامه رخاء عظيم حتى أن بيع إثنا عشر إردباً بدينار وكان يرمى على الناس بأمر الخليفة ..

__________________________________

(1) السواح درجة من درجات الرهبنة المصرية يعيش حياة الوحده لذلك يطلق عليهم المتوحدون ومن عادتهم أنهم لا يقيمون فى مكان واحد بل يتجولون فى الصحراء والبرارى.

(2) كان معظم الرهبان يعتبروا أنهم لا يستحقون الجلوس على عرش القديس مرقس ومكانه

 

(3) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 الجزء الثانى ص 70  

(4) تاريخ ابوالمكارم تاريخ الكنائس والأديره فىالقرن 12 بالوجه البحرى طبع سنه 1999 ج1 ص 45

(5) لطيف بمعنى صغير وجميب

====================================================================================== 

 

 

 

 

Home | من هم الفاطميون | الخليفة المعز | الحاكم بأمر الله | الخليفة الظاهر | أعترافات الآباء

This site was last updated 02/07/04