Make your own free website on Tripod.com

 

 

                                     تنبيه هام : نظراً لكبر حجم الكتاب الأول فقد وضع قى جزئين ومع هذا فقد ظل كل جزء كبيراً لهذا أوجه نظر القراء أن يتحلوا بالصبر عدة دقائق حتى يتم تحميل الجزء 30/1 /04

    لم نتهى من وضع كل الأبحاث عن هذا الموضوع والمواضيع الأخرى لهذا نرجوا من السادة القراء زيارة موقعنا من حين لآخر

Home
من هم الفاطميون
الخليفة المعز
الحاكم بأمر الله
الخليفة الظاهر
أعترافات الآباء

 

 

 

 

 

الفصل الأول : تاجر سريانى الجنسية إسمه إبراهيم إبن زرعة يـــصـبـح بـابـا الأقـــبـاط بإسم الأنبا آبرآم - رقم (62)

الفصل الثانى : يناء كنيسة القديس سمعان الخراز فى العصر الحديث على جبل المقطم

الفصل الثالث : الخليفة العزيز بالله الفاطمى 976م- 996م

الفصل الرابع : مسلمون يعتنقون المسيحية أثناء عصر الخليفة الفاطمى العزيز

الفصل الخامس : البابا فيلاتاوس البطرك رقم 63

الفصل السادس : حياة الحرية الدينية والسلام الإجتماعى فى زمن خلافة العزيز

 البداية الغريبة للحكم الفاطمى

 

لم تبدأ خلافة حكمها مثلما بدأت الخلافة الفاطمية حكمها فقد جمع الفاطميين فى بداية حكمهم بإستخدام رجال ذو خبره ومهاره فى إدارة شئون البلاد بغض النظر عن دينهم أو عروبتهم فمثلاً لم يكن جوهر الصقلى عربياً ولكنه كان أسيراً عبداً يونانياً قُدم هدية إلى الخليفة المعز وكان يطلق عليه فى بعض الأحيان جوهر الرومى , ومن الرجال الذين عاونوا المعز يعقوب إبن كلس وهو يهودى الأصل كان يعيش فى بغداد ولما كان اليهود يعشقون المال فقد إعتنق الإسلام بهدف الحصول على أكبر قدر منه , فرحل إلى مصر فى عهد كافور الإخشيدى ويذكر المؤرخ إبن قلانس قصة إسلامه فيقول : " أن يعقوب إبن كلس كان واسع الحيلة والدهاء , ويروى أن كافور قال عنه يوماً : لو كان مسلماً لإستوزرته  فلما سمع يعقوب ذلك دخل مسجداً فى يوم الجمعة .. ونطق  بالشهادتين وما لبس أن هرب إلى المغرب .. وعاون الفاطميين على فتح مصر  وقد جعله المعز اكبر مستشارية وعينه أميناً على بيت المال "

ولا نستطيع الحكم على شخصية الخليفة الفاطمى المعز لأنه ليس لدينا معلومات كثيره عنه إلا أنه كان بصفه عامه كان يعامل المصريين بالعدل والإنصاف ويحكم بالمساواه ولم يميز بين مسلم وقبطى حتى أنه أبقى على الوزير القبطى أبو اليمن قزمان بن مينا ومن المعروف أنه ظل وزيراً طيله عهد كافور الإخشيدى وظل فى وظيفته 22 سنة – وزاد المعز فى التودد إلى القبطى أبو اليمن وخوله سلطة أوسع مما كان يتمتع بها فى عهد كافور

___________________________________

(1) إبن أياس – بدائع الزهور فى وقائع الدهور طبع بولاق جزء 1 ص 46 –47 

 (2) الدولة الفاطمية فى مصر – د/ جمال الدين سرور ص 86

 ====================================================================================

 الفصل الأول : تاجر سريانى الجنسية إسمه إبراهيم إبن زرعة يـــصـبـح بـابـا الأقـــبـاط بإسم الأنبا آبرآم - رقم (62)

 

عاصر هذا البابا الخليفة الفاطمى المعز لدين الله وقد رسم فى شهر طوبة سنة 687 ش و 975 م .

عندما تنيح الأنبا مينا ظل الكرسى المرقسى خال فإجتمع الأساقفة من جميع أنحاء مصر بحرى وقبلى وكهنة الإسكندرية وكتاب مصر ( موظفى الدولة ) ومكثوا عده أيام يتشاورون فلم يستقروا على من يرتضوه للتقدمة –

وكان هناك شيخ تاجر سريانى الأصل لحيته نازلة على صدره قال إبن المقفع عن شكله (1)   ( مثل أبونا إبراهيم ) حتى أن إسمه إبراهيم إبن زرعه وكان يتصدق على الأرامل والأيتام والمساكين والفقراء والضعفاء وكان بينه وبين المعز علاقه جيده وجمايل بينهما وبين بعض وذلك بسبب البضائع التى كان يستوردها ويبيعها لهم وكان كل الكتبة واهل الدولة يكرموه وكان جميع أراخنة مصر يحبوه ويكرموه – وحدث أن إجتمع الشعب فى كنيسة الشهيدين سرجيوس وواخس بمصر بقصر الشمع التى تسمى القناليكى ومعهم الأساقفة والكهنة والأراخنة للأحتفال بعيد الشهيدين وفجأة دخل  التاجر السريانى إبراهيم إبن زرعة فأشار عليه أحد الأساقفة وقال : " أنتم تطلبون من يصلح للبطريركية  وها هنا من يستحقها قد بعثه الرب لنا " فوافق الحاضرين ولكنهم لم يشيعوا ما أضمروه وإتفقوا أن يدعوه أحد أصدقاءه من الأراخنة كأنه يريد أن يخاطبه فى شئ فلما إقترب منهم إجتمعوا حوله وصاحوا جميعاً فى صوت واحد إهتزت له أرجاء الكنيسة وقالوا : " هذا هو الذى إختاره الرب .. هذا هو الذى إختاره الرب .. " وقبضوا عليه وقيدوه بالحديد فصرخ وبكى من هول المفاجأة  وقال : " ما أستحق هذا الأمر " فحملوه فى الحال وذهبوا إلى الإسكندرية وقسموه هناك بطريركاً وكانت هناك نبوه عن رسمه بطريركاً أنه عندما ذهب وهو علمانى ذهب إلى دير ابو مقار بوادى هبيب ليصلى هناك ومشى إلى الكهوف التى هناك ليتبارك من سواح البرارى فوجد واحد منهم وكان معه إثنين من أصحابه

فباركه ذلك السائح وأخذه من يده وذهب معه بعيداً عن أصدقائه وقال : " يا أخى أنا أنظر صخرة عظيمة معلقة فوقك وهى نازلة عليك "  (1)  فلم يعلم التاجر إبرآم وقتها معنى كلامه فهل كان يقصد أنه سيصبح بطريركاً أم أن فى عهده ستتم معجزة نقل جبل المقطم وبدء عهدا جديدا للأقباط صفات هذا البابا الفاضلة :-

·          أبطل هذا البابا الشرطونية أو السيمونية (2) التى كان يفرضها البطاركة السابقين عند رسامة أساقفه .

·          تصدق بما كان له من مال وقال إبن المقفع أنه كان له مال عظيم

·          وكان الخليفة المعز يذهب إليه فى أوقات مختلفة ويأخذ رايه فى بعض أموره وأمور الخلافة ,  وطلب منه أن يكون مقره فى مصر حتى يكون قريباً منه لأنه كثيرا ما كان يذهب إليه لأخذ بركتة .

·          وكان ولاة الأقاليم يأتون إليه ويأخذون رأيه فبنى له سكناً فى مدينة بابليون ( مصر) .

·          وكان أراخنة الأقباط المسيحيين لهم سرارى ( نساء عبيد ) يدخلون عليهن وتولد لهم سراريهم أولاد فحرم هذا البطرك هذه العاده الذميمة التى أخذها الأقباط من المسلمين فأطاعه جميع الأراخنة إلا واحداً وكان من موظفى الدوله رئيس للديوان وكان عنده سرارى كثيره فلم يعتقهم وخالف البطريرك ولم يستمع لأمره فضرب له البطريرك عده مطاونات ولم يطيعه أيضاً وظل يعيش فى الخطية وقال إبن المقفع تعبيراً غريباً يصف به هذا الإنسان (3): "  كان كالأفعى التى لا تسمع صوت الحاوى ولا يشرب دواء يصنعة حكيم " وأراد البابا ينقذ هذا الإنسان من الخطية فذهب إلى بيته ليكلمه وقال فى نفسه : لعل إذا سعيت إليه يقدر زيارتى له فلما قالوا له البطريرك سيحضر إلى منزلك أغلق باب داره فلما وصل البطريرك وقف على باب داره يقرع لمدة ساعتين فلم يجيبه احد بكلمه فحرمه على باب داره ونفض قدميه من التراب الذى علق بنعليه على عتبه بابه  وكانت عتبه الباب من حجر صوان ( جرانيت ) فإنقسمت إلى إثنين وذاعت هذه المعجزة بين الناس وخاف كل من فى مصر من البطريرك القبطى لأنه بعد أيام قليلة هلك هذا الأرخن وكل ماله . 

 جدال دينى بين يهودى ونائب البطريرك أمام الخليفة المعز لدين الله الفاطمى ينتهى بنقل جبل

 من هوالأنبا ساويرس أسقف الأشمونين المعروف بإبن المقفع ؟

وحدث أن وزير المعز اليهودى الذى أسلم يعقوب إبن كلس كان له صديق يهودى إسمه موسى وحصل على نعم ورزق وفير من الخليفة لأجل صداقته لوزيره فلما رأى محبة الخليفة للبطرك ومركزه عنده إشتعلت الغيرة فى قلبه وحسده وأعد خطه شريرة فقال للمعز : " أنا أريد أن تحضر البطريرك واجادله بين يديك (أمامك) ليظهر لك حقيقة دينه "  فلم يقل المعز للبطريرك ما قاله موسى بالضبط ولم يعٌرضه لهذ المناقشه حتى لا تهتز مكانته لمحبته له فقال له : " إن رأيت أن تحضر أحد أولادك الأساقفه يجادل اليهودى فإفعل " فإتفقوا على يوم يحضروا فيه لمناقشه اليهودى , وإجتمعوا فى اليوم المحدد وكان من حاضر مع الأساقفة أسقف الأشمونيين قديس وعالم بالكتب المقدسة إسمه سويرس ويعرف بإبن المقفع وكان كاتبا ينسخ الكتب المقدسة ويعمل فى دواوين الدولة وهذا الأسقف له حوادث وأخبار وتاريخه نسقه بعد مماته الأسقف ميخائيل الذى كان أسقفاً لمدينة صان الحجر ( محافظة الشرقية حاليا ) وهو مؤرخ شهير لكتاب تاريخ البطاركة ويوجد منه نسخة موجودة باللغة الاتينية جمع وتأليف المؤرخ رنودوت ولم يرسم ساويرس إلا فى عهد الأنبا أفرايم القصيرة (4)  وأعطاه الرب نعمة وقوة فى اللسان العربى حتى أنه كتب كتباٌ كثيرة وميامر ومجادلات (5) وكثيراً ما كان يجادل قضاة من شيوخ المسلمين بأمر من المعتز فأفحمهم بقوة حجته ومناورته وشدة المنطق والفلسفة والبلاغة التى كان يتكلم بها

وحدث فى إحدى هذه المجادلات أنه كان يجلس عند قاضى القضاة من شيوخ المسلمين وأئمتهم فعبر أمامهم كلب وكان يوم الجمعة وكان كثير من الناس مجتمعين فقال قاضى القضاة : " ما قولك يا سويرس فى أمر هذا الكلب أهو نصرانى أم مسلم ؟ " فقال له : " إسأله فهو يجيبك عن نفسه" فقال له القاضى : " هل الكلب يتكلم  ؟ " ولكن نريدك أنت أن تقول لنا " فقال : " نعم لهذا يجب أن نجرب هذا الكلب وذلك ان اليوم يوم الجمعة والنصارى يصوموا ولا ياكلوا فيه لحم فإذا إنتظروا فى العشيه يشربوا النبيذ والمسلمين لا يصوموا ولا يشربوا النبيذ وياكلوا اللحم فضعوا أمام الكلب لحماً ونبيذاً فإن أكل اللحم فهو مسلم وإن لم ياكله وشرب النبيذ فهو نصرانى " فلما سمعوا كلامه تعجبوا من حكمته وقوة حجته وتركوه فى خزى شديد .

الأنبا ساويرس إبن المقفع أمام المعز

وفى اليوم المختار ذهب إلى قصر المعز الأنبا أفرآم ومعه الأنبا ساويرس إبن المقفع فجلسوا فى حضرة الخليفة المعز وجلسوا صامتين مدة طويلة حتى قال لهم المعز : " تكلموا فيما إجتمعتم من أجله " ووجه نظره إلى البطرك قائلاً : " قل لنائبك أن يقول ما عنده " فقال البطرك للأسقف : " تكلم يا ولدى فإن الرب يوفقك " .. فقال الأسقف للملك المعز : " لا يجوز الكلام مع رجل يهودى جاهل أمام أمير المؤمنين " فقال له اليهودى : " أنت تحط من قدرى وتعيبنى وتقول فى حضرة أمير المؤمنين إنى جاهل "  فقال له الأسقف الأنبا ساويرس إذا ظهر الحق لأمير المؤمنين فلا تغضب " فقال المعز : " لا يجوز أن يغضب أحد فى المجادلة بل ينبغى للمجادلين أن يقول كل واحد منهم ما عنده ويوضح حجته كيفما شاء " فقال الأسقف أنا لم أشهد عليك يا يهودى بالجهل بل نبى كبير جليل عند الرب هو الذى شهد بذلك ".. قال له اليهودى : " ومن هو هذا النبى ؟ " .. قال له : " أشعياء النبى الذى قال فى أول كتابه عن الرب : الثور يعرف قانية والحمار عرف مزود سيده أما إسرائيل فلم يعرفنىوالشعب الجاهل لم يفهمنى  " فقال المعز لموس اليهودى : " هل هذا صحيح ؟ " قال : " نعم هذا مكتوب " قال الأسقف : " أليس الرب هو القائل أن البهائم والدواب أفهم واعقل منكم ولا يجوز لى أن أخاطب فى مجلس أمير المؤمنين دام عزته منْ تكون البهائم والحيوانات أعقل منه وقد وصفه الرب بالجهل " فأعجب المعز بالجدال وأمرهم بالإنصراف

وإستحكمت العداوة بين الفريقين وأصبحت نفس الوزير اليهودى مريرة من الغضب وذهب ليبحث عن ثغرة فى الإنجيل لأن الأقباط تغلبوا على اليهودى عند المعز وبعد بضعة ايام دخل الوزير اليهودى عند المعز وقال : " مكتوب فى إنجيل النصارى: من كان فيه إيمان مثل حبة خردل فإنه يقول للجبل إنتقل وإسقط فى البحر فيفعل والنص الإنجبلى هو: لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل إنتقل من هنا إلى هناك فينتقل ( متى 17 ك 20 ) فليرى أمير المؤمنين رأيه فى مطالبتهم بتنفيذ هذا القول لأنه من المستحيل أن يتم هذا وإنه كذب فإن هم لم يفعلوا فلنفعل بهم ما يستحقوه على إيمانهم الكاذب " فلنختبر النصارى بهذا القول ولنا فى ذلك إحدى فائدتين فإن صح زعمهم به فهذا جبل مكتنف القاهرة سمى فيما بعد بالمقطم (6) وإذا إبتعد عنها كان هوائها أنقى ومناخها أجمل ونكسب مكاناً نبنى فوقه المدينه ونوسعها , وإن لم يصح كان المسلمون أولى بمساكن هؤلاء الكفرة والإستيلاء على أملاكهم وإذا طردناهم ومحونا أثرهم من الوجود ويبقى لا ذنب علينا من قبل الله فوافقه المعز وأرسل فى طلب الأنبا أبرآم البطريرك وقال له : " ماذا تقول فى هذا الكلام , هو فى إنجيلكم أم لا ؟ " فقال البطريرك : " نعم هو فيه " قال له : " هوذا أنتم نصارى ألوف ألوف وربوات ربوات فى هذه البلاد وأريد أن تحضر لى واحد منهم تظهر هذه الآية على يدية وأنت يا مقدمهم ( رئيسهم ) يجب أن يكون فيك هذا الفعل وإلا أفنيكم وأمحيكم بالسيف أو أمامك ثلاثه لتختار إما قبول الإسلام أنت والنصارى أو هجر البلاد ( طرد الأقباط من البلاد) أو نقل جبل الشرقى  ( سمى بعد ذلك بالمقطم (7)  " ( المساحة الأرض المسطحة التى نقل الجبل الذى نقل منها وإستغلها المعز فى إنشاء القاهرة أنظر أسفل الصفحة حاشية(8).. حينئذ ذهل البطرك وخاف خوفاً عظيماً ولم يدرى بماذا يجيبه وألهمة الرب فقال : " إمهلنى ثلاثة أيام حتى أبحث وأطلب من الرب إله السماء أن يطيب ويسر قلب أمير المؤمنين على عبيده " .. وعاد البابا إلى منزلة بمصر وأحضر الكهنة والآراخنة بمصر وجميع الشعب القبطى وعرفهم ما حدث وهو يبكى .

وجزع النصارى لهذا النبأ ولبس كبارهم وصغارهم المسوح وفرشوا الرماد وذروا التراب على رؤوسهم وصرخ الشيوخ والأطفال إلى الرب وألقت الأمهات المرضعات صغارهن بلا رضاعة أمام الكنائس وصعد العويل والصراخ إلى الرب من كل حدب وصوب (9)

 وحدث أنه كان فى بابليون (مصر القديمة) مجموعة من رهبان وادى هبيب (وادى النطرون) فأمرهم ألا يرحلوا إلى ديرهم ويمكثوا لمدة ثلاث ايام لمداومة الصلاة فى كنيسة السيدة العذراء بقصر الشمع المعروفة بالكنيسة المعلقة ليلاً ونهاراً فظلوا ثلاثة أيام ولياليها فى صوم وصلاة .

أما البطريرك صام صوماً إنقطاعياً فى الكنيسة المعلقة ولم يفطر طيلة النهار من الليل إلى الليل يأكل خبزاً وملحاً وماء يسير وظل واقفاً فى صلاه يبكى وتنهمر دموعه بين يدى الرب كل تلك الأيام ولياليها وفقد القوة على الحركة ولكنه جاهد فى الصلاه أكثر وفى صباح اليوم الثالث سقط البطرك القديس على الأرض من تعبه وحزن قلبه وصيامه الشديد وغفى غفوه قصيرة فرأى السيدة العذراء الطاهرة مارت مريم وهى تقول له بوجه فرح : " ما الذى أصابك " ..  فقال لها : " أنظرى حزنى يا سيدتى فإن ملك هذه الأرض هددنى قائلاً إن لم تفعل آية ومعجزة وتنقل جبل سأقتل جميع النصارى فى مصر وأبيدهم من خلافتى جميعاً بحد السيف "  .. فقالت له السيدة العذراء :" لا تخاف فإنى نظرت إلى دموعك التى ذرفتها وسكبتها فى كنيستى هذه , قم الآن وأترك المكان وأخرج من باب درب الحديد الذى يؤدى إلى السوق الكبير وفيما أنت خارج ستجد إنسان على كتفه جرة مملوءه ماء وستعرفة من علامته أنه بعين واحدة فإمسكه فهو الذى سوف تظهر عليه العلامه على يديه " فإستيقظ البطريرك فى الحال وهو مرتعب وكان جالساً على الأرض فنهض بسرعة ولم يدع أحد يعلم بإستيقاظه وخروجه وذهب فى الطريق الذى ذكرته السيدة العذراء حتى وصل إلى الباب فوجده مغلقاً فشك فى قلبه وقال : " اظن أن الشيطان لعب بى " ثم دعا البواب ففتح له فأول من دخل من الباب كان هو الرجل الذى ذكرت علامته السيدة العذراء له فمسكه وقال له بمطاونه وظل يربطه بعلامة الصليب قائلاً : " من جهه الرب , إرحم هذا الشعب ثم أخبره ما حدث فى إجتماعهم بالكنيسة المعلقه " فقال له الرجل : " إغفر لى يا أبى فإنى إنسان خاطئ مخطوطة بدير الأنبا أنطونيوس ولم أبلغ هذا الحد ( يقصد من القداسة ) " وعندما قال له ذلك اخبره البطريرك بما قالته السيدة العذراء مريم عند ظهورها له ثم قال له ما صناعتك وعملك فأراد أن يخفى أمره ولا يرد على السؤال فجعل عليه الصليب وربطه بالحروم بألا يخفى شيئاً ويحكى له قصة حياته وألا يكتم شئ – فقال : " أنا رجل دباغ (10) ومن الألقاب الأخرى التى أطلقت عليه سمعان الخراز (10وهذه عينى التى التى تراها أنا قلعتها من أجل وصية الرب فعندما نظرت لما ليس لى  فى شهوة ورأيت إنى ماضى إلى الجحيم بسببها (11) ففكرت وقلت الأصلح لى أن أمضى من هذه الحياة بعين واحدة إلى المسيح خير من أمضى إلى الجحيم بعينين وأنا فى هذا المكان أعمل أجيراً لرجل دباغ وفى كل يوم آكل خبزاً قليلاً وبباقى أجرتى أتصدق للفقراء والمساكين نساء ورجال (12).. حتى هذا الماء الذى أحمله - أحمله لهم كل يوم قبل أن أمضى إلى شغلى وعملى وهم قوم فقراء ليست لهم قدرة على شراء الماء من السقا وأقوم فى مثل هذه الساعة المبكرة من كل صباح لأملأ جرتى ماء وأوزعها على الكهول والمرضى الذين أقعدتهم الشيخوخة أو المرض عن القدرة على إستجلاب الماء لأنفسهم , ولما أنتهى من خدمتى هذه أعيد قربتى إلى البيت وأذهب إلى عملى (13)– وباقى النهار أعمل دباغاً فى المدبغة وليلى قائم أصلى (14) وهذه هى حياتى وأنا أطلب منك يأبى ألا تحكى ما أخبرتك به لأحد فليست لى مقدره على تحمل مجد الناس بل الذى أقوله لك إفعله أخرج أنت وكهنتك وشعبك كله إلى الجبل الذى يقول لك الملك عنه ومعكم الأناجيل والصلبان والمجامر والشمع الكبير وليقف الملك وعسكره والمسلمين فى جانب وأنت وشعبك فى الجانب الآخر وأنا خلفك واقف فى وسط الشعب بحيث لا يعرفنى احد وإقرأ أنت وكهنتك وصيحوا قائلين : يارب إرحم .. يارب إرحم ساعة طويلة ثم إصدر أمراً بالسكوت والهدوء وتسجد ويسجدون كلهم معك وأنا أسجد معكم من غير أن يعرفنى أحد وإفعل هكذا ثلاث مرات وكل مرة تسجد وتقف ثم تصلب على الجبل فسترى مجد الرب " .. فلما قال هذا القول هدأت نفس البطريرك بما سمعه .

وجمع البطريرك الشعب وذهبوا إلى الخليفة المعز وقالوا له : " أخرج إلى الجبل " فأمر جميع عساكره ومشيريه وحكماؤه ووزراؤه وكتبته وجميع موظفين الدولة بالخروج وضربت الأبواق وخرج الخليفه ورجاله وفى مقدمتهم موسى اليهودى .. وفعل البابا كما قال سمعان الدباغ ووقف المعز ورجاله فى جانب وجميع النصارى فى جانب آخر ووقف سمعان الرجل السقى خلف البطرك بثيابه الرثه ولم يكن فى الشعب يعرفه إلا البطرك وحده وصرخوا يارب إرحم مرات كثيرة ثم أمرهم البابا بالسكوت وسجد على الأرض وسجدوا جميعا معه ثلاث مرات وكل مره يرفع راسه يصلب على الجبل كان الجبل

 يرتفع عن الأرض وظهرت الشمس من تحته فإذا سجدوا نزل الجبل وإلتصق بالأرض وحدثت زلزله إرتجت لها كل جهات الأرض – فخاف المعز خوفاً عظيماً وصاح المعز ورجاله : " الله أكبر لا إله غيرك " وطلب المعز من البطرك أن يكف عن ذلك لئلا تنقلب المدينة رأساً على عقب ثم قال المعز بعد ثالث مرة يا بطرك عرفت أن دينكم هو الصحيح بين الأديان فلما سكن الناس وهدأوا إلتفت البابا خلفه يبحث عن سمعان الدباغ الرجل القديس فلم يجده (15) ثم قال المعز للبطرك أنبا أفرآم : " تمنى أى أمنية " فقال البابا : " أتمنى أن يثبت الرب دولتك ويعطيك النصر على أعدائك " وسكت البطرك فكرر المعز ما قاله ثلاث مرات وأخيراً قال : " لا بد أن تتمنى على شئ – فقال البطرك إذا كان لا بد فأنا أسأل مولانا أن يأمر إن أمكن من بناء كنيسة الشهيد العظيم ابو مرقورة فى مصر القديمة لأنها لما هدموها لم يكن بإمكاننا أن نبنيها مرة أخرى وحولوها شونة قصب – والمعلقة بقصر الشمع إنهدمت حوائطها وظهرت الشروخ فيها فطلب الإذن بترميمها وإعادة ما تهدم منها " فأمر المعز فى الحال بأن يكتب سجل ( أمر مكتوب من الخليفة) بالتصريح له بذلك – فلما قرأ سجل الخليفة عند أرض كنيسة القديس مرقورة لتبيه المسلمين فإجتمع أوباش الناس ( العامة) فعاد البطرك للمعز وأخبره بما حدث فغضب لذلك فركب حصانه فى الحال ومعه عساكره حتى وصل إلى مكان الكنيسة فوقف وأمر بحفر الأساس فحفر بسرعة كبيرة وجمعوا البنايين وحملت إليه الحجارة من كل مكان بأمر الملك المعز وبدأوا يبنون فلم يجسر أحد أن ينطق بكلمة إلا شيخ واحد كان يجمع هؤلاء الباعة فى الجامع ويصلى بهم ويحرضهم ويدفعهم لهذه الأعمال – فألقى هذا الشيخ نفسه فى حفرة أساس الكنيسة وقال : " أريد اليوم ان أموت على إسم الله ولن أدع أحداً يبنى هذه الكنيسة " ولم يكن المعز موجوداً فذهب إلى هناك وأمر بأن ترمى الحجارة ويبنى فوقه فلما بدأ العمال برمى الجير والحجارة عليه أراد أن يقوم ويهرب فلم يسمحوا له جنود المعز بذلك لأن المعز أمر بدفنه فى الأساس الذى رمى نفسه فيه – ولما راى البابا القبطى ذلك نزل عن دابته وذهب إلى المعز يترجاه حتى يعفوا عنه وظل يترجاه والعمال يرمون فوقه الحجارة والطوب حتى أمر بإصعادة من الأساس وبمجرد أن لمست قدمة سطح الأرض حتى جرى وأفلت بعد أن أشرف على الموت وعاد المعز إلى قصره فلم يجسر أحد من المسلمين أن ينطق بحرف واحد إلى أن إنتهى بناء كنيسة الشهيد أبى سيفين وكذلك رمم وأصلح الكنيسة المعلقة وبنا كل الكنائس التى تحتاج إلى بناء أو تكملة وكذلك كنائس الإسكندرية بنا فيها أماكن كثيرة ولم يعترضه أحد  من المسلمين .

وقد أكد أبو المكارم حادثة إعادة بناء الكنائس السابقة فى زمن الخليفة المعز لدين الله الفاطمى (16) أما جاك تاجر فى كتابه أقباط ومسلمون (17): " ويؤكد المؤرخون النصارى أن المعجزه حدثت بالفعل (18) وأن الخليفة أبدى دهشته وأمر بإعادة بناء جميع الكنائس المخربة ثم أرسل فى طلب كبار الأقباط والعلماء المسلمين وأمر بقراءة الإنجيل والقرآن أمامه , ولما إستمع إلى النصين , ما كان منه إلا أن أمر بهدم المسجد القائم أمام كنيسة أبو شنودة وبناء كنيسة مكانه وتوسيع كنيسة أبى سيفين

وأنفق أموالاً كثيرة فلم يتمكن من ان يعطى الإسكندرانيين الألف دينار التى من المعتاد أن يدفعها البطرك لدعم كنائس الإسكندرية حسب التعهد الذى يقوم به كل بطرك قبل رسامته وبعد أن سألوه وطالبوا بالمبلغ كثيراً إتفق معهم على أن يعطيهم كل سنة 500 دينار وحل السلام محل الثورة والحرب , فإمتلأ قلب الأنبا ابرآم طمأنينة على شعبه الأمين (19) ومن أسباب السلام الذى حل على الكنيسة هو ما قيل عن الخليفة المعز نفسه (20)

ومكث الأنبا أبرآم على كرسى مار مرقس الرسول ثلاث سنين وستة أشهر وتنيح وذهب إلى آبائنا القديسين صرف فيهم كل ثروته التى تحصل عليها عندما كان تاجراً قبل جلوسه على البطريركية وصرف كل الإيراد الذى تحصل عليه من الكنائس وصرف أيضاً 90 ألف ديناراً التى كانت مودعه عنده لأبو اليمن قزمان إبن مينا ولم يبق درهما واحداً قبل أن يموت ويقول إبن المقفع عنه : " وصرف جميع ذلك فى بناء الكنائس والصدقات وما يرضى الرب وصار مثل أبو الاباء إبراهيم فى أعماله المرضية وحسب مع الأبرار فى ملكوت الرب ونسأل ربنا ان يرحمنا بصلاته وصلاة كل من أرضاه بأعماله والمجد لربنا دائماً أبداً سرمدياً " (21)

وذكر ساويرس (22) : أن الأنبا ساويرس إحتمل المشاق من أجل محاربه الفواحش والتسرى بالجوارى بين الأقباط وضحى بحياته فى سبيل مقاومة الميسارين ومن الذين لم ينجح معهم بنصائحه وتهديداته فإن إنسان قبطى من الأراخنة إسمه أبى سرور الكبير كان على علاقة بكبار رجال الدولة أبى أن يصدع لأوامره ويخضع لناموس الإنجيل الذى يحرم تعدد الزوجات وكان له سرارى كثيرة فطلب منه ألا يجاضعهم وإستمر يرعى البغى والطغيان ولم يفعل فحرمه ومنعه من القربان ومنعه من دخول الكنيسة فتحايل ومكر ودعاه لمنزله بحجه كونه يريد أن يتوب عن فعلته الشنعاء ويطرد البغى من عنده ويكتفى بحلاله حتى سقاه شيئاً به سم ومن ذلك الوقت إعتلت صحته وقضى نحبه ومضى إلى الرب بسلام فى 6 كيهك سنة  970م وايد الحدث السابق الأنبا يوساب اسقف فوه وهو من آباء القرن 12 (24)– وإستمر على كرسى رئاسة الكهنوت ثلاث سنين وستة أيام وبكاه الناس أقباطا ومسلمين .

أعمال هذا البطريرك

·         لما حل الصوم الكبير صام شعب الكنيسة القبطية جمعة  هرقل التى إنفرد بصومها الأقباط (25) عن عموم المسيحيين فصامها البطرك الأنبا أبرآم الأنطاكى الأصل معهم إذ كان من غير الائق أن يفطر فى الوقت الذى فيه أولاده صائمين ولما حان صوم يونان صام البطرك فإقتدى به بنوه ومن ثم حافظت الكنيسة القبطية على هذه العادة إلى يومنا هذا .

·         ومن مآثره أيضاً أنه أضاف ثلاثة أيام إلى صوم الميلاد بعد أن كان يصام أربعين يوماً فقط وسبب هذه الزياده الحادثة الشهيرة المتواتره والمتناقله عبر الأجيال ويحكيها الآباء لأبنائهم ومسجله فى جميع كتب التاريخ القبطى المعروفه بمعجزه نقل جبل المقطم وقد فرضها على الكنيسة حين أرغمه المعز على نقله فجعلها تذكاراً لهذه المعجزة وفريضه لكى يقى الرب الكنيسة من مثل هذه المحنة ولا يعرضها لمثلها فى المستقبل

 ·         أيقونة القديسين الأنبا أبرآم وسمعان الخراز تزين الجدار البحرى بصحن كنيسة السيدة العذراء المعروفة بالمعلقة بمصر القديمة , أيقونه يرجع تاريخ رسمها إلى القرن الخامس عئر الميلادى ( أى بعد خمسة قرون من المعجزة , ولا بد أن الرسام نقلها من صورة أخرى أصليه بهتت ألوانها أو تكسرت وتمزقت ) والصورة الموجوده الآن تمثل صورة الأنبا أبرآم والقديس سمعان الخراز , وتظهر معهما فى الأيقونة صورة السيدة العذراء .

·         بناء كنيسة بإسم القديس سمعان الدباغ بجبل المقطم  وشاءت إراده الرب أن تبنى أول كنيسة بإسم القديس سمعان الخراز .. تخليداً لذكرى هذه المعجزة التى لم يكن لها مثيل منذ عصور المسيحية الأولى وحتى الآن تخليداً لذكرى هذه المعجزة بعد عشرة قرون من حدوثها , وقد بُنِيَت فوق جبل المقطم نفسه فى عهد قداسة البابا شنوده الثالث عام 1974م

وقال القس المتنيح منسى يوحنا (26): " ومن مآثر البابا آبرام أنه أدخل فى الكنيسة القبطية فرض صوم نينوى الذى يصومه السريان وذلك لأنه لما حل أول الصوم الكبير صامت الكنيسة القبطية أسبوع هرقل فجاراهم البطريرك إذ لم يرى لائقاً أن يكون فاطراً وأولاده الأقباط صائمين ولما جاء ميعاد صوم نينوى صامه فإقتدى به بنوه ومن ثم حافظت الكنيسة القبطية على هذه العاده حتى يومنا .

ولكن ما هى السنة التى حدثت فيها المعجزة ؟ (27) لإستنتاج تاريخ السنة التى حدثت فيها المعجزة نستعرض الحقائق التالية :-

  حدثت المعجزة فى عهد الأنبا أبرآم الذى جلس على كرسى مار مرقس الرسول فيما بين عامى 975م- 979م  .. لأنه رُسِمَ بطريركاً سنة 975م وتنيح سنة 979م

لابد أن تكون المعجزه حدثت فى سنة تجديد كنيسة أبى سيفين لأن تجديد هذه الكنيسة كانت نتيجة من نتاج هذه المعجزة – وعند مراجعة كتب التاريخ نجد أن المعز ألح على البابا أن يتمنى شيئاً لينفذه له , فطلب البابا تصريحاً بتجديد كنيسة مارقوريوس ابى سيفين بمصر القديمة .. وتذكر كتب التاريخ أن المعز [ فأمر للوقت أن يكتب سجل ( أمر) تمكينه من ذلك .. (28)]

  * [ أمر الخليفة أن تُعطى له كنيسة أبى سيفين فى الحال (29)] والكلمتين " للوقت " و " فى للحال" تعنى الأمر الفورى والتصريح بتجديد الكنيسة وتسليمها للأقباط وهذا الأمر حدث بعد المعجزة مباشرة أى فى سنة المعجزة ومما يؤكد هذا التسلسل المنطقى أن المسلمين بدأوا بالتحرش فور سماعهم هذا المنشور من الخليفة [ وحين قرأ المرسوم الذى أصدرة المعز أمام باب كنيسة أبى سيفين , تجمع الرعاع محتجين صاخبين معلنين أنهم لن يسمحوا لأحد بأن يعيد بناء كنيسة .. وسمع الخليفة بما حدث فغضب غضبة مضرية دفعته إلى أن يمتطى جواده , ويذهب على رأس جيشه إلى بابليون , إلى البقعه التى يبغى الأنبا ابرآم العمل فيها .. وما أن وصل إليها حتى أمر البنايين بالعمل أمامه وتحت إشرافه , وحين رأى الرعاع هذا الحزم من الخليفة المعز وقفوا صامتين ينظرون إليه وكان على رؤوسهم الطير .. (30)]

إذاً فالسنة التى حدثت فيها المعجزة هى السنة التى تم فيها تجديد كنيسة أبى سيفين والثابت فى كتب التاريخ أن إعادة بناء كنيسة أبى سيفين قد حدث سنة 979م (31)  

تحديد فترة المعجزة

من تسلسل الأحداث فى معجزة نقل الجبل الشرقى نلاحظ أن الأنبا أبرآم البطرك أمر المسيحين بصوم ثلاثة أيام فقال للأساقفة والكهنة والشعب فى الكنيسة المعلقة : [ علينا بالصوم والصلاة هذه الأيام الثلاثة التى إستمهلته إياها , ليترأف الرب علينا بنعمته ويهئ لنا طريق النجاه .. (32)] كما نلاحظ أيضاُ أنه ثالث يوم من ايام الصوم حدثت هذه المعجزة .. إذ يذكر المؤرخين [ وفى صباح اليوم الثالث أخبر البطرك الخليفة بأنه عزم على نقل الجبل .. (33)] وهذه الأيام الثلاثة التى صامها الشعب القبطى قد ألحقها البطرك بصوم الميلاد فقيل [ ثم أُلحق بصوم الميلاد ثلاثة أيام بعد أن كان يصام أربعين يوماً فقط ... هذه الأيام الثلاثة هى التى صامها المسيحيون فى عهد البطريرك الأنبا أفرآم ليرفع عنهم الويل الذى كان مزمعاً أن يحل بهم بسبب الوزير اليهودى ...(34)  ]  إذا كان هناك أمر بصوم ثلاثة ايام خاصه بنقل الجبل الشرقى وأمر بإلحاقهم بصوم الميلاد فلماذا صوم الميلاد بالذات ؟ !! إنه لم يتم جزافاً أو بلا حكمة لأن الكنيسه دائماً تضع الأسباب لكل شئ خاصه إذا كان يخص معجزة بهذا الحجم ولذلك لا بد وأن تكون هناك حكمة وعلاقة بين الأيام

 الثلاثة وبين صوم الميلاد .. ولماذا لم تضف إلى صوم يونان مثلاً أو إضافتها إلى صوم السيدة العذراء ولأن هذه الأيام الثلاثة لم تضف إلى هذين الصومين بما لهما من أولوية وأحقية ولكن لماذا تم إضافتهم إلى صوم الميلاد بالذات ؟

ومنذ بدء المسيحية فى مصر رتبت الكنيسة بدء صوم الميلاد 28 نوفمبر من كل عام حتى يوم عيد الميلاد .. أى أربعين يوماً , وعنما أضيفت الثلاثة أيام الخاصة بصوم معجزة نقل الجبل إليه أصبح مجموع أيام الصوم 43 يوم وتبدأ من يوم 25 نوفمبر من كل عام وحيث أن المعجزة قد حدثت ثالث ايام الصوم فيكون يوم حدوثها هو يوم 27 نوفمبر .

ونتيجه لهذا الإستنتاج يكون تاريخ يوم المعجزة هو 18 هاتور سنة 695 للشهداء أى يوم 27 نوفمبر سنة 979 ميلادية هذا البحث أخذ من كتاب سيرة القديس سمعان الخراز (35)  ولما كان للبحث قيمة كبيرة بإستنتاج السنة التى تمت فيها المعجزة ولكن تحديد اليوم لم يكن دقيقاً لأنه يمكن القول أن صوم الثلاثة ايام ربما كانت قبل صوم الميلاد بفترة وضمت لصوم الميلاد كما حدث فى صوم أسبوع هرقل الذى حدد قبل صوم القيامة فى الكنيسة القبطية إلا أنه مجهود شاق ومضنى إذا صح إستنتاج المؤلف فى بحثه وثبت فعلا أن يوم  المعجزة هو 27 من نوفمبر سيكون من أكبر الإكتشافات التاريخية لأكبر حدث إعجازى فى تاريخ المسيحية .

 -------------------------------------------------------------------------

(1)  سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 الجزء الثانى ص 76 و 82

(2) سميت سيمونية نسبه إلى سيمون الساحر الذى أراد أن يأخذ ( يشترى) موهبة الرب بدراهم ولكن هنا تتم بطريقة عكسية وهى إعطاء (بيع) موهبة الرب بدراهم بأخذ دنانير من الشخص الذى يرسم أسقفاً 

(3) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 الجزء الثانى ص 76

(4) كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900 الجزء الثانى ص 18

(5) وقد كتب عشرون مقالة هذا غير الميامر وتفاسير وأجوبة لمسائل وأسئلة لأبى البشر ابن جارود الكاتب المصرى ... أسماء الكتب العشرين الذين كتبهم ساويرس المعروف بإبن المقفع – كتاب التوحيد , كتاب الإتحاد , كتاب الباهر رد على اليهود , كتاب الشرح والتفصيب رد على النسطورية , كتاب فى الدين كتبه الوزير قزمان إبن مينا , كتاب نظم الجوهر , كتاب المجالس , كتاب طب الغم وشفا الحزن , كتاب المجامع , كتاب تفسير الأمانة , كتاب التبليغ رد على اليهود وكيف تقوم النفسين , كتاب الإستيضاح وهو مصباح النفس , كتاب السير , كتاب الإستبصار , كتاب ترتيب الكهنوت الإثنى عشر طقوس البيعة , كتاب إختلاف الفرق , كتاب الأحكام , كتاب إيضاح الإتحاد – وربما هناك أسماء أخرى للكتب السابقة وربما أيضاً هناك إسمين لكل كتاب 

(6) وتذكر مخطوطة بدير الأنبا أنطونيوس مكتوبه بخط اليد أن جبل المقطم سُمى بذلك لأن سطحه كان متساوياً أى متصلاً فأصبح بعد نقله ثلاث قطع واحده خلف الأخرى ويفصل بينهما مسافة لهذا سمى بالمقطم أو المقطع أو المقطب وكل هذه الأسماء تعنى معنى واحد

(7) كلمة مقطم معناها = مقطع راجع المعجم الوسيط الجزء الثانى 

(8) وكان الجبل قبل نقله على حدود بركة الفيل ولم تكن بركة ملآنه ماء بالمفهوم الحالى بل كانت أرضاً زراعية يغمرها مياه الفيضان كل سنة – وفى سنة 1902 م هدمت السراى التى كانت موجوده بها وقسمت أراضيها وأقيم عليها عمارات جديدة , وتعرف الآن بالحلمية الجديدة , وموقعها الحالى من شمال سكة الحبانية ومن الغرب شارع الخليج المصرى , ومن الجنوب شارع مراسينا ثم أول شارع نور الظلام إلى أول شارع الألفى , وأما سبب تسميتها بركة الفيل , فهو لأن الأمير خماروية كان مغرماً بإقتناء الحيوانات من السباع والفيلة والزرافات وأنشأ لكل نوع منها داراً خاصاً بهذا المكان ( راجع النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة للأتابكى الجزء الثالث ص 356 , 366 )

(9) الخريده النفيسه  فى تاريخ الكنيسه للأسقف الأنبا إيسوزورس طبع القاهره 1923 الجزء الثانى ص 246

(9) مخطوطة بدير النبا أنطونيوس – ولا زالت مصر القديمة حتى الآن مشهورة بدباغة الجلود حتى يومنا هذا 

(10) أيريس حبيب المصرى قصة الكنيسة القبطية ج3 ص14وسمعان الإسكافى مخطوطة بدير الأنبا أنطونيوس

(11) عندما كان سمعان يقوم بعمله كإسكافى , أتت إليه إمرأه لتصلح نعل رجلها , وكانت جميلة الصورة , وعندما خلعت نعلها نظر إلى ساقها فنظرت عيناه إليها بشهوة , فأنبته نفسه فضرب المخراز فى إحدى عينيه فأفرغها تنفيذاً لوصية الرب : " إن كانت عينك اليمنى تعثرك فغقلعها عنك , لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله فى نار جهنم " ( مت 5: 28 , 29) ذكر ما سبق فى مخطوطة بدير الأنبا أطونيوس – قد يقال أن سمعان الخراز تصرف بطريقة حرفيه إلا أن هذا لا تنقص من قداسته لبساطته وإخلاصه وامانته فى تنفيذ هذه الوصية كما أنه برهن على طهارته ونقاوة قلبه ورفضه للخطية التى تمكنت منه فى لحظه ضعف كما أنه لم ينظر إلى المرأه بعين واحده وإنما الإثنين فإنه أرد أن يعاقب نفسه على هذه النظرة الشريره التى إقتربت من الشهوة إلى حد أنها أصبحت فى حد ذاتها شهوة 

(12) مخطوطة بدير الأنبا أنطونيوس

(13) مخطوطة بدير الأنبا أنطونيوس                                 

(14) مخطوطة بدير الأنبا أنطونيوس

15) تاريخ الاباء البطاركة للأنبا يوساب أسقف فوه من آباء القرن 12 أعده للنشر للباحثين والمهتمين بالدراسات القبطية الراهب القس صموئيل السريانى والأستاذ نبيه كامل

(16) قال أبو المكارم سعد الله بن جرجس بن مسعود صاحب كتاب " الكنائس والأديرة " فى مخطوطه فقال : " ولما شرع البطريرك فى إعادة بناء الكنيسة هاج رعاع المسلمين وإعترضوه بدعوى أنها تخربت منذ مده طويلة ولم يبق منها سوى بعض الجدران الآيلة للسقوط وقد جعلها المسلمون مخازن لقصب السكر ولكنهم كفوا عن المقاومة عندما علموا أن الذى امر ببنائها هو الخليفة نفسه وان الخليفة حضر اثناء ذلك وأمر الخليفة ايضاً بصرف كل نفقات البناء من خزينة الدولة فأخذ البطريرك الدراهم وردها إلى خزينة الحكومة وإلتمس أن يقبلها منه ثانية ولا يجبره على قبولها قائلاً : إن الذى نبنى له الكنيسة قادر أن يساعدنا حتى نتممها وهو غير محتاج إلى مال العالم "  

(17) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م  إعداد  د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951 ص 121

(18) لا يؤمن رينودو بهذه المعجزة , وهو يلاحظ أن مكين النصرانى والمقريزى إمتنعا عن الإشارة إلى هذا الحادث . ولكن " مارك بول " البندقى الذى عاد إلى بلاده عام 1295 م جاء معه ببعض التفاصيل المتعلقة بحادثة نقل جبل

(19) أيريس حبيب المصرى – قصة الكنيسة القبطية ج3 ص 432

(20) عن كتاب الفاطميين فى مصر

 (21) و (22) .  سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 الجزء الثانى ص 84

(23) الخريده النفيسه  فى تاريخ الكنيسه للأسقف الأنبا إيسوزورس طبع القاهره 1923 الجزء الثانى ص 235

(24) تاريخ الاباء البطاركة للأنبا يوساب أسقف فوه من آباء القرن 12 أعده للنشر للباحثين والمهتمين بالدراسات القبطية الراهب القس صموئيل السريانى والأستاذ نبيه كامل ص 83

(25) الخريده النفيسه  فى تاريخ الكنيسه للأسقف الأنبا إيسوزورس طبع القاهره 1923 الحزء الثانى 236

 

(26) تاريخ الكنيسه القبطيه للمتنيح القس منسى 1899- 1930م  طبع على مطابع شركة تريكرومى للطباعة – مكتبة المحبة – سنة 1983 ص 377 

(27) سيرة القديس سمعان الخراز " الدباغ" – المؤلف والناشر – كنيسة القديس سمعان الدباغ بالمقطم – الطبعة الرابعة إبريل 1996 رقم الإيداع 11190/1993 المطبعة – دار إلياس العصرية

(28) مخطوطة بخط اليد فى دير الأنبا أنطونيوس 

 

(29) القس منسى يوحنا تاريخ الكنيسة القبطية ص 431

(30) أيريس حبيب المصرى قصة الكنيسة القبطية ج3 ص 28

(31) د/ رؤوف حبيب – الكنائس القبطية القديمة بالقاهرة ص 60

(32) أيريس حبيب المصرى قصة الكنيسة القبطية ج3 ص26

(33) القس منسى يوخنا تاريخ الكنيسة القبطية ص 431 

(34) القس منسى يوخنا تاريخ الكنيسة القبطية ص 432

(35) سيرة القديس سمعان الخراز " الدباغ" – المؤلف والناشر – كنيسة القديس سمعان الدباغ بالمقطم – الطبعة الرابعة إبريل 1996 رقم الإيداع 11190/1993 المطبعة – دار إلياس العصرية ص 70- 73

=====================================================================================

الفصل الثانى : يناء كنيسة القديس سمعان الخراز فى العصر الحديث على جبل المقطم

 

 منْ هم شعب كنيسة قديس الجبل ؟

وإختفت كنيسة القديس سمعان الخراز القديمة بفعل الإضطهادات الإسلامية إلا أن إسمه لم يختفى من صفحات المخطوطات المكتوبة بخط اليد منذ قرون وكتب التاريخ والمؤرخين – وتحركت اليد الإلهية فقد صدر قرار من السيد محافظ القاهرة فى آواخر عام 1969 م بنقل جامعى قمامة القاهرة إلى منطقة نائية على إحدى روابى جبل المقطم ليقطنوا بها بعد أن إمتد العمران إلى مناطقهم وأحاط بها العمران فى القاهرة نفسها .

وبدأ جامعى القمامة الذين معظمهم من المسيحيين فى إقامة مساكنهم بطرق بدائية , وهى عبارة عن عشش من الصاج تسمى بلغتهم العامية زرائب – والعشة الواحدة زريبة وسميت زريبة نسبه إلى المكان الذى تقيم فيه الحمير والخنازير والحيوانات الأخرى كالجداء والماشية وبعض الطيور كالبط والدجاج

وظل عدد سكان هذه المناطق فى إزدياد مستمر حتى وصل عدد السكان من الزبالين بحوالى 15 ألف نسمة وذلك بحسب تقارير محايده صادرة من البنك الدولى لدراسة هذه المنطقة فى يوليو 1978 م وما زال هذا العدد فى تزايد ويعتقد أنه تضاعف الآن .

ووسيلة نقل الزبالة هى عربه يمتلكها كل شخص تقريباً هناك , وتتركب هذه العربة من صندوق كبير من الخشب له عجلتان من الخشب أو من عجل كوتش ويجرهما حماران أو أكثر وكان المجهود الذى يبذله الشخص كبيراً فى رجوعهم قبيل غروب الشمس حيث العربه ملانه بمخلفات المنازل والطريق صاعداً لأعلى كما أن الطريق ظل لسنوات غير ممهداً إلا أنه سُفلت الآن .

ويقوم هؤلاء الزبالون فى الصباح الباكر بجمع القمامة من المنازل بأحياء القاهرة المختلفة , وعند عودتهم إلى زرائبهم يقومون  بفرز القمامة وتصنيفها .. فيجدون الورق والزجاج والحديد والمعادن المختلفة وبعد أن يتم فرز هذه المخلفات تباع للتجار المتخصصين ويقتات الزبالين بأثمانها أما الغذاء ومخلفات المطابخ فتصلح لثروتهم الحيوانية  خاصة الحمير .

دعوة للخدمة

كان رجلاً إسمه قديس عجيب عبد المسيح أحد جامعى القمامة من حى شبرا تقابل مع أحد الخدام فكلمة الخادم عن الحياة مع الرب والتمتع بمحبته ونعمته عن طريق التوبة , وأحب قديس أن يستمع إلى هذا الخادم وألح عليه لزيارته فى منطقة الزبالين بجبل المقطم حتى يستمع إليه غيرة , وظل يكرر هذه الدعوة على مدى عامين من الزمان أى بالتحديد منذ عام 1972م دون أن يستجيب الخادم .

ويتذكر الخادم فجأه هذه الدعوه حينما تقابل فى صباح الجمعة الأولى من فبراير 1974م مع عم قديس الذى لم يفتر طول سنتين أن يدعوا , وألح عليه بزيارة المنطقة – وبغير شعور أصغى هذا الخادم إلى صوت الرب فى داخلة يؤكد أن هذه الدعوة له هى منه .

وسأل الخادم  عم قديس عن كيفية الوصول إلى تلك المنطقة , فشرح له الطريق وكيفية الوصول إلى المنطقة , فدله على نمر الأتوبيس الذى يصل إلى سفح المقطم على أن ينتظره فى نهاية الخط ليصحبه إلى منطقة الزرايب .

وفى اليوم المحدد تردد الخادم فى الذهاب إلى المقطم فذهب فعلا إلى محطة الأتوبيس , ولكنه بدلاً من أن يركب الأتوبيس الذاهب إلى المقطم غَيٌر رأيه ليهرب كما فعل يونان النبى وركب الإتوبيس الذاهب للأتجاه المضاد أى إلى المطرية - ولكن هاتفاً داخلياً ظل يلح عليه ويؤنب ضميرة وكرر الهاتف الأمر عده مرات فلم يستطع تحمله فأطاع وترك الأتوبيس المتجه إلى المطرية قبل أن يتحرك ونزل ليركب الأتوبيس الذى يتجه إلى منطقة الزرايب ووصل إلى نهاية الخط ونزل الخادم فوجد عم قديس فى إنتظاره كما إتفقا من قبل وصعد معا إلى الرابية التى أقيمت فوقها الزرائب .

ولأول مرة يشاهد هذا الخادم هذه المنطقة النشطة وعند مدخلها شاهد عربات الزبالين فى نشاط محموم مثل خلية من النحل دائمة العمل عربات صاعدة وعربات هابطة عدد كبير من الرجال والأطفال والبنات يعملون منهم من يقود العربات ومنهم من يساعد الحمير فى دفع العربان للصعود إلى أعلى والتغلب على صعوبات الطريق متشبهين بأجدادهم عندما كانوا يبنون الهرم .. وقف الخادم متأملاً هذا المنظر وإنتابه شعور غريب , إنه الرب يريد شيئاً لهذه المنطقة , ولكن ماذا يريد الرب يالتحديد ؟ !! إنه سؤال محير , إنه لا يدرى لذلك طلب من الزبال أن يأخذه إلى مكان هادئ ليصلى طالباً الإرشاد والمعونة من رب المعونة .

 فأخذه قديس إلى أعلى قمة فى هذه المنطقة , وهناك شاهد فجوة كبيرة تحت صخرة مهولة , إنها مغارة عجيبة ( هذه المغارة أصبحت الآن دير القديس سمعان الخراز ) فوجد الخادم هناك مكاناً مناسباً للصلاة وداوم على الصلاة فيها كل يوم أحد من كل أسبوع ولمده ثلاث أسابيع يذهب فى صمت ليصلى ويرجع صامتاً دون أن يكلم أحداً من هؤلاء الزبالين الذين يملأون المكان وينتشرون كالنمل المجاهد على تلك البقعه من الجبل يبحث بجد ونشاط عن طعامه يذهب ولا يفعل أى شئ ولكنه كان متحيراً وكان يسأل الرب فى صلواته " يارب ماذا تريد منى أن أفعل ؟ " ( أعمال 9: 6) وفى الإسبوع الثالث حدث أمر عجيب وغريب

وفى الأسبوع الثالث صعد الخادم كعادته للصلاه وكان معه شخصين آخرين وفى أثناء الصلاة ثارت عاصفة هوجاء فتطايرت أوراق الزبالة فى الهواء وملأت المنطقة , وهدأت العاصفة وألقت أمام المصليين بورقة صغيرة .. إلتقطها أحدهم ويعتقد أنه لا يعرف القراءة وسلمها للخادم ليقرأها , وإذا بها ورقه من سفر أعمال الرسل الإصحاح 18 – ووقع بصر الخادم على ايآتها المكتوبة وبدأ يقرأها بصوت عال وهى : " فقال الرب لبولس برؤيا الليل : لا تخف بل تكلم ولا تسكت لأنى معك , ولا يقع أحد ليؤذيك , لأن لى شعباً كثيراً فى هذه المدينة " ( أعمال 18 : 9-10 )

فإعتبر الخادم ذلك صوت قادماً من السماء من الرب مباشرة إليه , أو كما علق قداسة البابا المعظم الأنبا شنودة الثالث على ما حدث فقال :

[ إنها ليست ورقة ... إنما هى فرمان سماوى ]

ومن هذا الوقت بدأ الخادم رحله الخدمة فى هذه المنطقة  وشعبها .

 كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته

أخذ الخادم زميلاً له ليساعده وبدأ الخادم يبحث عن مكان لخدمة أولاد المنطقه أى أطفال مدرسة التربية الكنسية ولم يكن يعرف المنطقة ليختار مكانا لبدء التدريس ولكنه فجأة تذكر ما سمعه من أب إعترافه فى عظه من عظاته مردداً قول أشعياء النبى : " كل موضع تدوسه أقدامكم لكم أعطيكم " ( يشوع 1: 3) وفى بساطة إيمان بدأ يدوس الموضع الذى وقفا عنده دون أن يقول لزميله شئ مما يدور فى داخله وكل واحد يدوس الموقع برجليه وهنا سأله الخادم زميله عما يفعل فقال زميله إجابه وقف أمامها مذهولاً .. إذ قال : " ألم يقل يشوع النبى أن كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته ؟ !! " إذاً فقد كان فكر الرب يعمل فيهما معاً فى نفس الوقت يفكران ويعملان نفس العمل فتأكد الخادم أن هذا هو المكان الذى إختاره الرب ليكون كنيسه تسبح بإسمه فى المنطقة وقد كان .

كنيسة من الصاج لقديس الجبل

بدا العمل فى بناء كنيسة من الصاج وسقفها من البوص مثل باقىمبانى المنطقة وكان الخادم فرحاً  وفى يوم 13/ 4/ 1974 بدات خدمة أطفال مدارس الأحد فكانوا 11 طفلاً فى اليوم الأول ثم بدأ إجتماع عام للرجال والسيدات وكان عدد الحاضرين 9 أشخاص – وبدأ الخدام فى الأفتقاد وزياره الناس فى مساكنهما المصنوعة من الصفيح وإفتقدا الزرايب بلغتهما زريبه زريبه وتكلما مع كل إنسان عن محبة الرب يسوع والطريق إليه – وبدأ زمن الحصاد بعد خمسة أشهر من العمل فلم يعد المكان يتسع وبارك الرب عملهما بصلوات قديس الجبل العامل الفقير القديس سمعان الدباغ – واصبح الخادمان ثلاثة فقد ضم لهما الرب ثالثاً وتم توسيع المكان وإستبدل الصاج بالطوب إلا أن السقف كان قماشاً خيام بدلاً بوص وأصبح المزود خيمة للأجتماع فوق الجبل .

وذهب الخدام مع أب إعترافهم إلى قداسة البابا شنودة الثالث وأخبروه بكل ما تم ففرح جداً مشجعاً أولاده وأعطاهم مبلغاً من المال لبناء السقف بالأسمنت المسلح – ولكنهم هدموا المبنى القديم لأنه أصبح لا يتسع للأعداد الغفيرة التى تحضر الصلوات وضاق المكان للغاية مما إضطر الخدام أن يلجأوا إلى أحد المهندسين المباركين فوضع تصميماً رائعاً لكنيسة شاهقة على مساحة 1000 متر مربع تقريباً .  

وتم شراء مواد البناء من طوب وأسمنت وحديد وزلط – ولكن المشكلة كانت المياه فقد كان صعب الحصول عليها فى هذه المنطقة النائية حتى للشرب ورفعوا الخدام صلوات حاره ليساعدهم قديس الجبل فهو كان يعمل سقا حاملاً الماء للفقراء والمحتاجين وحدثت المعجزه فبينما كان الخادم عائداً من المنطقة فى مساء أحد الأيام وجد عند بداية الطريق المرصوف الصاعد إلى مدينة المقطم , جراراً يجر مقطورة عليها خزان ماء كبير , فطلب من السائق أن يمده بالمياه لبناء الكنيسة – فوافق على الفور بدون أدنى تردد وكانت هذه معجزه السماء .

ولكن المعجزة العجيبة هى أنه فى يوم الإثنين الموافق 19/1/1976م بعدما أفرغ الجرار حمولة المقطورة من المياه وبينما هو يرجع إلى الوراء كان يوجد طفل خلفه إسمه " أدهم كامل عبد المسيح " يبلغ من العمر وقتها ستة أعوام سقط تحت عجلات الجرار الضخمة فهشمت رأسه ونقل إلى المستشفى فاقد الوعى 0 وتحول الإجتماع المسائى إلى إجتماع صلاه لأجل الطفل أدهم ليتنازل الرب بإجراء معجزة – وفى اليوم التالى ذهب الخادمان لزياره الطفل فى المستشفى وإذا يجداه حياً ولكنه جسداً بلا حراك ورأسه مهشماً تماماً والدم ينزف من أنفه وأذنية وفمه .

وقف الخادمان إلى جوار السرير وطلبا من الرب أن يعمل معجزة مع هذا الطفل ويخلق له رأسا جديداً بشفاعة القديس سمعان الدباغ صاحب الكنيسة وقديس الجبل – وبعد سبعة أيام تمجد الرب فعلاً وعاد الطفل أدهم إلى بيته معافى ليكون شاهداً عن قوة إلهنا الحى .

وفى يوم 18 يونيو عام 1976 م زار البابا شنودة الثالث كنيسة قديس الجبل سمعان الدباغ وكان يوما مشهوداً لا ينسى ثم ظل يزورها فى كل عام فى عيد القديس سمعان الخراز منذ عام 1978 وحتى عام 1980 

 أين جسد قديس الجبل سمعان الدباغ ؟

من الروايات المتداوله عن جسد القديس سمعان التى تشابه قصة موسى النبى وهى : أن القديس ألقى بنفسه تحت جبل المقطم أو داخله .. ألخ حتى لا يكرمه الشعب الحاضر المعجزة " ولما كانت المخطوطات تؤيد عدم معرفة الشعب القبطى به وقت إجراء المعجزة والأنبا ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين فى تاريخ البطاركة الذى عاصر هذه الفتره ووصفها بكل دقائقها فلم يذكر القديس الأنبا ساويرس أى شئ على الإطلاق يؤيد الرواية السابقة – وفى وصفه للمقابلة الأولى بين البابا الأنبا ابرآم والقديس سمعان ذكر أن سمعان إشترط على البابا ابرآم ألا يعلم أحد بسيرته إلا بعد إنتقاله من هذا العالم .. ووعده البابا بذلك , ومن أكبر الأدله على ذلك ما قاله [ ووقف الرجل – القديس سمعان – ولم يكن فى الجمع من يعرفه إلا البطرك وحده ] فمن أين عرف الناس انه ألقى بنفسه تحت الجبل أو بداخله وفى وصف الأنبا يوساب أسقف فوة فى القرن الثانى عشر الميلادى للمقابلة الأولى والقديس سمعان للبابا [ والآن أسألك ألا تبيح بسرى وألا تعلم بى أحد وأنا أكون خلفك - فوقت أن تسجد أسجد معك  ووقت أن تصلب ( ترشم الصليب ) أصلب معك من غير أن تعرف أحداً ]

 والحقيقة أن قديس الجبل إختفى من وراء الأنبا أبرآم البطرك بدون أن يشعر به أحد فالناس تنتبه إلى العظماء وأصحاب المراكز أما الفقراء فلا يتبه لهم احد والأنبا ساويرس أيد إختفائه فى كتابه تاريخ البطاركة فقال [ فلما إهتدوا – أى هدأ الناس – إلتفت البطرك يطلب الرجل القديس – سمعان الخراز – فلم يجده ] والأنبا يوساب قال فى نفس المعنى فى مخطوطة بدير السريان العامر فقال : [ ثم إلتفت البطرك يطلب الدباغ – القديس سمعان – فلم يجده ]

كيف إكتشف الأقباط جسد القديس سمعان الدباغ المعروف بالخراز ؟

فى عام 1989 م كان أحد الخدام يبحث عن رفاة القديسين والشهداء المدفونين فى مصر القديمة ومنهم  سمعان الدباغ – ونتيجه لأبحاثه فى المراجع التاليه أنه إكتشف أنه مدفون فى مدافن تسمى بركة الحبش فى مصر القديمة :-

·         سنكسار يوم 19 ابيب – نياحة القديس الأنبا يؤنس العاشر البابا (85) [ فى مثل هذا اليوم أيضاً من سنة 1085ش - 13 يوليو 1369م تنيح البابا يؤنس العاشر .. ودُفن بجوار سمعان الخراز ... ]

·         وفى كتاب البطاركة للأنبا يوساب : سيرة البابا يؤنس العاشر [ وتنيح ودفن بالحبش بجوار قبر الخراز ]

·         سنكسار يوم 3 بشنس نياحة الأنبا غبريال الرابع البابا ( 86) [ وفى مثل هذا اليوم من سنة 1094ش ( أبريل سنة 1378م ) تنيح البابا غبريال .. ودُفن بالحبش بجوار الخراز ]

·         وفى كتاب تاريخ البطاركة للأنبا يوساب : سيرة البابا غبريال الرابع [ وتنيح ودُفن بالحبش بجوار الخراز ]

ونتيجه لما سبق يتضح أن القديس سمعان الخراز مدفون بمصر القديمة وبالتحديد فى مدافن تعرف بمدافن الحبش – وأيضاً مدفون بجوار إثنين من الآباء البطاركة .

وفى عام 1991 م دبرت العناية الإلهية البدء فى ترميم كنيسة العذراء الأثرية فى بابليون الدرج بمصر القديمة – وفى يوم الحد الموافق 4/8/1991م تم العثور على هيكل عظمى أثناء عمليات الترميم وخلال إجراء الحفر الملاصق للحائط القبلى للكنيسة من الخارج وبالتحديد على عمق ثلاثة أمتار – وعند ظهور الهيكل حلت رهبة إلهية وفرحه روحيه لم يسبق لها مثيل على جميع الحاضرين وشعر الجميع أن الجو ملئ بصفوف غير منظوره من الكائنات الروحية ترفرف على المكان –

هذا الهيكل العظمى هو لشخص تنيح فى آواخر الأربعينات واوئل الخمسينات من عمره .. قصير القامة صغير الحجم ملامحه رائعة وجميلة جداً , ومن الأمور الغريبه أن شعر رأسه بقى كما هو سليم ولم يتحلل بالرغم من الرطوبة العالية الموجودة بهذا المكان – ويدل هذا الشعر على أن صاحب الجسد هو أصلع الراس غزير الشعر جدا من الخلف إذ يصل شعره إلى أسفل خلف عنقه ووجد أيضاً بجوار الحفر من ناحية أخرى بخارج كنيسة القديسين اباكير ويوحنا فى نفس المكان , جره من الفخار يزيد عمرها على الألف سنة - وهذا يؤكد أنها ملك لهذا المدفون فى هذه المكان وأنه سمعان الخراز وهى علامة إرتباط الجرة بالجسد وهذه الجرة موجودة الآن بالمقصورة الخاصة بسمعان الخراز بكنيسته بالمقطم بالقاهرة وحتى الآن لم يتمكن أحد أن يحدد بالتأكيد من هو صاحب هذا الجسد ؟ أو أنه هو للقديس سمعان الخراز ولكن بقى شئ واحد يمكن الإعتماد عليه وهو أيقونة الأنبا أبرآم مع القديس سمعان الخراز والموجودة بكنيسة القديسة مريم العذراء ( المعلقة بمصر القديمة ) ومرسوم بها سمعان الخراز وهى تؤكد ملامحه والتى تطابق مواصفات لملامح الهيكل العظمى تطابق كامل مثل قصر القامة نوع الشعر وطوله والتوزيع التشريحى للهيكل العظمى – وإتضح أن مدافن الحبش بمصر القديمة هى ذاتها المنطقة الواقع فيها الحفر بكنيسة السيدة العذراء ببابليون الدرج والتى ظهر فيها رفات أكثر من 13 قديساً من بينهم آباء بطاركة – وأنبوبة بها رأس طفل شهيد وجسد القديس سمعان الخراز ووقتها كنا نتعجب من دفن البطاركة خارج الكنيسة وقدمت هذه الأبحاث إلى قداسة البابا شنودة الثالث – ثم أعلن قداسته ‘عتماده البحث وإعلان أن جسد القديس سمعان الخراز ناقل الجبل بموهبه إلهية قد أكتشف وقد أعلن ذلك خلال إجتماع قداسته بالآباء كهنة القاهرة يوم الثلاثاء الموافق 7يوليو 1992 وفى حضور صاحب النيافة الأنبا متاؤس وقد امر قداسته بتوزيع الجسد على ثلاث كنائس فقط هى

·                                 كنيسة السيدة العذراء ببابليون الدرج .

·                                 كنيسة السيدة العذراء – المعلقة .

·                                 كنيسة القديس سمعان الخراز بالمقطم

وفى يوم الخميس المبارك الموافق 9 يوليو عام 1992م قام نيافة الحبر الجليل الأنبا متاؤس بإيداع جسد قديس الجبل سمعان الخراز فى أنبوبه ووضعها فى كنيسة العذراء ببابليون الدرج مع كتابة وثيقة خاصه بذلك وهى الموجوده حاليا بجوار مقصورة القديس سمعان الخراز يكنيسة المقطم بالقاهرة وفى يوم السبت 11يوليو 1992 م وفى موكب روحى مهيب تم نقل رفات القديس العظيم إلى كنيسته فى جبل المقطم   

 فطنة المصريين

وكان للمعز والى إسمه جوهر كان المعز كلما أراد أن يفعل شيئاً يؤثر على المصريين وحياتهم كان جوهر يمنعه بلطف وسياسة ويقول له : " إن أهل مصر قوم فيهم مكر وفطنة يعرفون كل شئ ولا يخف عنهم مجهول فكأنهم يعلموا الغيب " .. فقال له : " يا جوهر إذا كان ما يقال عنه فطنة المصريين صحيح فأنا أريد أن أجربهم "  ثم أمر المعز أن يأخذ المنادى (1) كبير من الورق مثل سجل (2) ويطوى بلا كتابة بداخله ويختم ( الختم إما بالرصاص أو الشمع وعليه خاتم الخليفة ) وكتب الكاتب العنوان الخارجى بإسم الخليفة – ثم أمر بضرب البوق قدام المنادى الذى يحمل الدرج ليجمع الناس ليحضروا لسماع سجل وأوامر الملك وأمر جواسيس يمشوا خلفة ويسمعوا ما يقوله أهل مصر ورجعوا جواسيسه وقالوا : " بعض الناس قالوا : هلم نسمع سجل الخليفة – ورد بعضهم وقالوا : لا تتعبوا أنفسكم إن كل ما فيه من كلام فارغ فى فارغ " فلما سمع المعز تعجب من ذلك جداً (3)

ماذا حدث للمعز لدين الله الفاطمى

وقال جاك تاجر فى كتابه أقباط ومسلمون (4): " وقد يتسائل الناس لماذا لم يخط الخليفة الخطوة الأخيره بإعتناقه الدين المسيحى ؟ وفعلاً لم يرى المؤرخ القبطى مندوحه فى ذلك , فأكد أن الخليفة المعز تعمد فى المكان القريب من كنيسة القديس يوحنا وتنازل بعد ذلك عن كرسى الخلافة لأبنه العزيز بأمر الله , وصرف أيامه الأخيرة فى العباده فى أحد الأديرة وقد أعاد ذكر هذه القصة مرقس سميكة باشا , أحد مؤسسى المتحف القبطى بالقاهرة , ولكن أحمد ذكى باشا والأستاذ عبدالله عنان إحتجا بشدة على هذه الرواية " وفى تعليقه على هذا الرأى قال فى حاشيه الكتاب أسفل الصفحة : " لم يذكر مؤرخ مشهور قصة إعتناق المعز الدين المسيحى "

أما المؤرخ المشهور سعيد الأنطاكى (5) فلم يتكلم عن معجزة الجبل ولكنه يذكر بدون قصد نتيجه معينه من نتائجها أن خبر موت المعز ظل مكتوما زهاء

هذه المبايعة لم تحدث قط فى تاريخ العرب المسلمين إلا إذا كان هناك سببا من ورائه كما أن المؤرخ السابق لم يحدد تاريخ وفاته أو طريقة وفاته إلا أن الأنبا إسيذورس قد أوصل خيوط تاريخ حياة ووفاة المعز بعضها ببعض حينما قال فى تاريخه عن المعز (6) : " إن المعز بعد حادثة الجبل المقطم تخلى عن كرسى الخلافة لأبنه العزيز وتنصر ولبس زى الرهبان وقبره إلى الآن فى كنيسة أبى سيفين " فهل ما زال قبره هناك حتى هذا اليوم وأخفوا مكانه أم نقله الأقباط سراً خوفاً من أن يستولى المسلمين على الكنيسة ؟

______________________________

(1) هو الرجل الذى يأخذ أوامر الخليفة ويقرأها على الناس فى الأسواق وأماكن تجمعاتهم ) درج ( لفه من الورق مخطوط مكتوب باليد)

(2) مكتوب فيه أوامر الحكومة وتسمى اليوم سجلات  وهى تسجل الآن على الكمبيوتر

(3)  سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 الجزء الثانى ص 82  

(4) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م  إعداد  د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951 ص 121-122

–ثمانية أشهر , وأنه فى يوم من الأيام قبل وفاته , جعل أسرته تبايع إبنه العزيز الخلافة (1) "

(5) سعيد الأنطاكى ص 146

(6) الخريده النفيسه  فى تاريخ الكنيسه للأسقف الأنبا إيسوزورس طبع القاهره  1923  الجزء الثانى ص 248

==============================================================================================

الفصل الثالث : الخليفة العزيز بالله الفاطمى 976م- 996م

 

وفى سنة 365 هـ - 386هـ , 975 م – 996م مات المعز لدين الله فخلفه إبنه وكان إسمه " نزار أبو منصور العزيز " وأطلق عليه إسم العزيز بالله حسب عادة الفاطمين عندما يتولى أحد خلفائهم الحكم فيعطونه إسماً منتسب لله  ويقول بعض المؤرخين أن المعز تنازل عن الخلافة لأبنه  ولما كان العزيز صغيراً فى السن ولم يكن له معرفه بالأمور السياسية وقيادة الجيش فأعاد تعيين جوهراً على قيادة الجيش فأظهر اللين والرفق فى معاملة المصريين فأحبه العامة والخاصة وكان العزيز باسلاً وسيماً شهماً عظيم الجسم قوى المنكبين مولعاً بالصيد ماهراً فيه كما كان قائداً شجاعاً وحاكما مدبراً لأمور شعبه وفوق هذا كله كان مرهف المشاعر , ميالاً إلى السلام ذا طبيعة سلسة , يمقت إراقة الدماء وينفر من التخاصم (1) وكان أيضاً يعطى لكل ذى حق حقه ويضع الإنسان المناسب فى المكان المناسب بغض النظر عن عقيدته ويقول المؤرخين المسلمين (2) : " أنه كان مثل أبيه شديد التسامح مع المسيحين , وكثيراً ما كان يجلس يستمع للمناقشات الدينية بين المسلمين والمسيحيين وبين المسيحين واليهود وجدد للمسيحين كنيسة أبى سيفين بعد أن كانت مستترة فى شكل مخزن للبضائع " -- وكلمة " التسامح "  لا تنطبق على حقوق المساواه بين أبناء مكان واحد ووطن واحد , وعين يعقوب إبن كلٌِس وزيراً كان يهودى إسرائيلى العقيدة ثم إعتنق الإسلام كما عين رئيس كتابه نصرانياً نسطورياً إسمه عيسى بن نِسْطُورس .

ويقول جاك تاجر فى كتابه أقباط ومسلمون (3): " أنه فى خلافة العزيز وبعدها نرى السلطه هى التى تولى العمل ببناء الكنائس للنصارى وتسهر على حراسة العمال إذا إقتضى الحال ذلك وبينما كان المؤرخون النصارى بهللون لوال لم يظلم أبناء جلدتهم عمل العزيز على إلغاء الفوارق الإجتماعية بين المسلمين والذميين "

وحدث فى أيامه أن غزا هفكتين أحد أمراء بغداد بلاد سورية وفلسطين فجهز جوهر الصقلى جيشاً لمحاربته بقوة هائلة وبعد حروب أريق فيها الدماء أنهاراً وبعد عدة مواقع حربية كان النصر فيها حليف لهفكتين وتحصن جوهر الصقلى فى عسقلان وكان ينتظر وصول مؤن وإمدادات حربية من مصر فلما تأخرت فإضطر أن أن يعقد صلحاً مهيناً وكان شرط خروجه وهو محاصر فى عسقلان من تحت سيف هفكتين هو وأمراء الجيش أن يدفع غرامة حربية كبيرة

ولما عاد إلى مصر وجد العزيز مستعداً بالمؤونه وجهز جيشاً حربياً آخر قوياً فعاد مع مولاه وجدد الحرب ولما بلغ فلسطين وجد هفكتين لايزال فى عسقلان فأصلاه نار حرب تشيب لها النواصى وتنفطر لها القلوب وفى ساعة واحدة إنكسر هفكتين هو وجنوده وتفرق شملهم وتفتت قواته وإلتجأ إلى الفرار فلحق به أحد العربان وقيدة وأتى به إلى العزيز مكبلاً فرجع به إلى مصر وأبقاه حياً عنده

وذكر المؤرخون (4): " أن خيول الخليفة العزيز بالله كانت تُكٌسى الزمرد المطعم بالذهب , وتغطى بأقمشة مرصعه بالجواهر ومعطرة بالعنبر "  ولأول مرة فى تاريخ مصر بعد عمر ابن العاص يهتم حاكماً مسلماً بإقامه المبانى وحفر الترع وإنشاءالجسور ( الكبارى ) وإصلاح مرافئ السفن وإنشاء العديد منها , وبدأ ببناء الجامع الذى يعرف الآن بجامع الحاكم إلا أن إبنه الخليفة الحاكم بأمر الله هو الذى أتم بناؤه وهوالموجود بجوار باب الفتوح , وكان هو أول من إتبع تقليداً جديداً بأن يسير فى موكب يتقدمه حراسه ذاهباً إلى الجامع كل يوم جمعة فى شهر رمضان يؤوم الصلاة بالناس , كما أنه كان أول الخلفاء الفاطمين الذين أنشاوا جيشاً قوياً إستخدم فيه  جنود زنجية وتركية ولمهارته فى الإدارة ساد فى عهده الأمان والسكينه والسلام فى البلاد وإمتد ملكه من المحيط الأتلنتى إلى شرقى الحجاز ومن اليمن حتى شمال الفرات وخطب له على منابر اليمن فى صلاة الجمعة (5)

ولم يكن العزيز رجلاً ضعيفاً لأن عهده إمتاز بالحروب الدفاعية التى قام بها على الحدود الشرقية لإمبراطوريته , وقام بتنظيم إدارة حازمة داخل البلاد  ولكى تستطيع خلافته أن تواجه هذه المصروفات الضخمة التى تتطلبها الجيوش لحماية البلاد فقد وضع بيت المال تحت رقابة شديدة وحدد مرتبات ثابته لموظفيه ومنعهم منعاً باتاً من قبول أى رشوة أو أى هدية وأمر بألا يصرف شئ إلا بمقتضى وثيقة مكتوبة (6)

ويقول جاك تاجر فى اقباط ومسلمون  : " كان العزيز قد تزوج من إمرأه نصرانية من طائفة الملكيين وأنجب منها ضمن ما أنجب بنتاً أسماها " ست الملك " وكانت أخلاقها تشبه أخلاق والدتها أو بمعنى آخر كانت تعطف كثيراً على النصارى وكان العزيز يحب زوجته وأبنته حباً جماً ويعمل برأيهما إلى حد جعله يصدر أمراً مخالفاً للقانون وهو تعيين " أرسين" و " أرستيد" من طائفة الملكيين  بطريركين الأول على الأسكندرية والآخر على أنطاكيه وأورشليم "

وحكم العزيز واحد وعشرين سنة وفاجاته المنية وهو يستحم فى حمامه فى بلبيس سنة 996 م وبدأ حكم إبنه وهو صغير تحت وصاية عبده برجوان  

الأمانه هى سر قوة الأقباط الرب يبطل مشوره يعقوب إبن كلس وزير كافور الإخشيد والى مصر

ووصل كتاباً من الخليفة العباسى  إلى كافور الإخشيد والى مصر يأمره فيه بزيادة الجزية والخراج على الأقباط ويقوم بتقدير الإيرادات الوارده للخزينة من جزية وخراج .. ألخ مصر لمدة سنة واحده فكانت حساباتها 3 مليون و 270 ألف دينار وعندما حسب النفقات التى تصرف على متطلبات الدولة والأموال التى تدفع للخليفة فوجد بها عجز 200 ألف دينار , فأحضر كافور وزيره وكان إسمه إبن كلا وقال له : " ما الذى يجب أن نفعله فى هذا العجز ؟ " فاشار عليه أن يأخذ من الرواتب مائة ألف دينار وفى الجزية والخراج  يزيدها مائة ألف دينار فيصير إرتفاع المصاريف يتساوى مع الإيراد – ولما خرج من عنده أحضر كافور الإخشيد الشيخ أبو اليمن قزمان إبن مينا المؤمن النصرانى وكان ناظراً ومشرفاً على أعمال الجزية والخراج فى منطقة بابليون ( مصر) وظل يعمل فى هذا المنصب حتى جلوس الأنبا أفرآم على كرسى مار مرقس الرسول وقال له : إبحث هذه الأعمال وأشر على بما أفعله من صواب والعدل من السلطان للخلق ( الناس) " فقال أبو اليمن : " سمعت بأخبار أمر الخليفة وفهمت ولا يجوز لى الكلام فيه " .. فأمنه على حياته وأقسم عليه بأن يقول ما عنده وأخبره بما قاله الوزير إبن كلا , فقال : " أما أنا فقد ألزمتنى وأمرتنى وإستحلفتنى أن أذكر ما عندى فأنا أقول بحسب خبرتى أن الذى أشار عليك بأن تثقل على أرزاق الناس ورواتبهم والذين يعولهم الله وتعولهم أنت أيضاً فقد أغرى بك واراد قبح سمعتك عند الناس والله , لأن الله جرى أرزاقهم على يديك فإن فعلت بهم ذلك قطع الله عنك رزقك وتركك , أما ما أشار به عليك من زياده الضرائب على ضرائب مستقرة من زمن الذى يؤسس ذلك أصله وفرعه قد عرق مقعده ومكانه فى جهنم لأن إحداث رسوم وزيادة ضرائب يبعد عن الله فى مقاصده " فأعجب كافور الإخشيد بقوله وإستعان بمشورته ونصحه ولما مر عليه فى اليوم التالى أمر حاجب الحجاب بالقبض عليه وان يعاقبه إلى أن يدفع العجز من ماله وقال له : " أردت أن تسئ إلى سمعة الوالى وتقبح سيرته أمام مولاه وأمر كافور الإخشيد الوالى بأن تخفض الضرائب على الأراضى بنسبة الثلث وكتب بها كتب وأرسلها إلى سائر بلاد مصر وقراها فزاد إرتفاع الوارد للخزينة فى هذه السنة 400 ألف دينار فأمر بأن يدعى على ( يلعن ) الوزير إبن الكلا فى مكة وأن يدعى للشيخ أبو اليمن قزمان إبن مينا , وكتبت لعنة الوزير على الحوائط والجدران .     

عندما أصبح الأنبا أبرآم بطركا ظل أبو اليمن قزمان إبن مينا وزيراً قبطياً , وكان هذا الوزير رجلاً متدين جداً بتول أى لم يتزوج قط , ولم يسمع عنه أنه كان يفعل ما يفعله الشباب وكان يفعل الخير مع كل الناس , حسن السيرة يحبه كل واحد , ونال نعمه ومحبه لدى الرؤساء وبالأكثر لدى الخليفة المعز لدين الله الفاطمى وذلك بحسن سيرته ونيته ودقه أمانته , وحدث أنه كان يقبل قوله وينفذ مشورته فأمر بأن يتولى جمع الخراج من جميع أرض مصر ولما رأى الوزير اليهودى يعقوب إبن كلس أن نجم أبو اليمن بدأ أن يسطع نوره غار منه وخاف على مكانته لدى المعز وأن يصير وزيراً ومشيراً بدلاً منه فأشار على المعز قائلاً : " إرسل أبو اليمن لجمع الخراج من فلسطين لأنه رجل أمين " وكان هدفه هو إبعاده من أمام المعز , فأرسله إلى فلسطين .

وقبل أن يسافر أبو اليمن إلى فلسطين كان معه 90 ألف دينار فذهب بكل ماله إلى الأنبا افرآم البطريرك وقال له : " إذا سمعت إننى توفيت فإصرفها فى خلاص نفسى فى الكنائس والفقراء والأرامل والأيتام " أما إذا عدت سليما معافى فإنى أسترده مرة أخرى ..

وبدا العمل فيها وجمع منها ومن البلاد التابعة لها مائتى ألف دينار وارسل إلى المعز ينبئه بذلك , ولكن حدث أن قام ثائر على المعز يعرف بالقرمطى فنشر الرعب فى الشام وإستولى عليها بلدة بعد أخرى وسمع أبو اليمن أخبار إنتصاراته المتوالية فأخذ المال الذى حصله من فلسطين وذهب إلى دير فوق جبل تابور ( يعتقد أنه دير سانت كاترين ) وسلمه لرئيس الدير وطلب منه أن يكون وديعه عنده ويحفظه وعاد إلى عمله بدون أن يعلم أحداً بهذا الأمر وهجم القرمطى على بلاد فلسطين وإستولى عليها وإنتزعها من المعز وقبض على أبو اليمن وقال القرمطى إليه : " لا تخف فلن يصيبك أذى أو شر منى وسأجعلك صاحبى تماماً كما كنت صاحباً للمعز " وعاهد القرمطى فى ذلك اليوم أبو اليمن على أن يستمر فى وظيفته ويجبى له الضرائب , فكتب المواليين للمعز أن أبو اليمن قزمان إبن مينا قد وافق القرمطى وصالحه ويعتقد أن ما حدث مع أبو اليمن كان فى الفترة ما بين نهايه حكم المعز وتولى العزيز إبنه.

 وعلم الوزير يعقوب إبن كلس من المراسلات الجاريه فى ذلك الوقت أن أبو اليمن قد عاهد القرمطى عدو العزيز فوشى به لدى المعز وأراد أن يزعزع ثقه الخليفه فى ابو اليمن فقال : " هذا أبو اليمن الذى كنت تقول أنه أهل للثقه وأمين قد صالح عدوك وعاهده ودفع له 200 ألف دينار حقك فى خراج فلسطين وأخذها من بلادك وأعطاها للقرمطى (7)  ليقويه بها عليك " فغضب المعز فارسل أمراً أن يقبض على جميع اهل أبو اليمن ونهب بيوتهم وأموالهم وإعتقلهم ووضعهم فى السجون .

وواصل القرمطى تقدمه وقصد مصر ليستولى عليها من الخليفة الفاطمى العزيز وخرج المعز بجيش عظيم يفوقه فى العده والعدد للحرب فهزمه وقتله .

ولما عرف بهزيمه القرمطى كتب ابو اليمن قزمان إبن مينا  إلى العزيز كتاباً (رسالة) شرح فيه ما فعله مع القرمطى وأعلمه أن النقود التى جمعها فى مكان أمين وكيف خلصها منه وكيف تلافاه وسايره إلى أن تخلص منه المعز .

فنقم العزيز على وزيره يعقوب إبن كلس وقبض عليه وقتله وكانت هذه نهاية الوزير المسلم اليهودى الأصل التى ذكرها إبن المقفع عن مخطوطات مكتوبه بخط اليد فى ذلك العصر ولكن كتب جاك تاجر فى كتابه مسلمون وأقباط (8)

يصف نهاية هذا الوزير على أساس أنها موته طبيعية فقال [ قد إستمر يعقوب إبن كلس خمس عشرة سنة الساعد الأيمن للخليفة , قام خلالها بشتى الإصلاحات ويذكر لنا الأنطاكى أنه لما مات يعقوب " ركب العزيز إلى داره  وصلى عليه , وكشف عن وجهه , وبكى عليه بكاء شديداً ويضيف (9) إبن القلانسى أن العزيز أمر : " أن يدفن فى داره بالقاهره فى قبه كان بناها لنفسه وحضر جنازته وأغلق الدواويين وعطل الأعمال أياماً (10) " وإذا كانت الروايتين تشيران إلى موت يعقوب إبن كلس إحدهما تشير إلى أنه مات مقتولاً بيد العزيز والثانية تؤيد أنه مات طبيعياً وأن العزيز بكاه لهذا فمن الأرجح أن العزيز قتله

بالسم ثم بكاه ليقنع الناس أنه برئ خاصة أن هذا الأمر تكرر مع أبنه الحاكم بأمر الله فكان يقتل الوزراء والكتبه ويبكى بعد ذلك فكأن هذا الأمر كان من طبيعة صفات حكم أسره الخلافة الفاطمية فى مصر .

وبعد وفاة يعقوب , منح العزيز ثقته لعيسى بن نسطورس النصرانى الذى ما لبث أن أصبح وزيراً , ثم ألحق بخدمته أبا منصور , طبيب المعز النصرانى وأعطاه مركز ممتازاً .

ولما كان عيسى بن نسطوروس نصرانياً وتولى مكان يعقوب إبن كلس اليهودى الذى اسلم فتغاضى المسلمين عن أصله ولكنهم لم يعتادوا رؤية النصارى يشغلون الوظائف الكبرى فى الدولة ويتمتعون بشئ من الإحترام كما أن شريعتهم الإسلامية ضد هذا التوظيف فكانوا ساخطين على هذه التعينات وبينما كان يتنزه فى المدينة ذات يوم إذ لمح فى طريقة شبحاً يشبه إمرأة (11)  كانت تحمل عريضة تعترض على ما يفعله ونصها : " بالذى أعز اليهود بمنشا  (12) والنصارى بعيسى بن نسطوروس , وأذل المسلمين بك ... (13) " وغضب العزيز لكرامته وزاد سخطه لإرضاء شيوخ المسلمين وأئمتهم ولإظهار أنه إمام المسلمين وليحد من غضب الشعب إضطر إلى الإستغناء عن هذين الرجلين وصادر أموالهما (14) وطرد عدد كبير من الموظفين النصارى إلا أنه ما لبث أن أعادهم إلى مراكزهم فرداً وراء آخر لأنه كان يرى إستحالة الإستغناء عن خدماتهم أو لتوسط حريمه لبعض منهم وإشترط على عيسى بن نسطورس عندما رده إلى مكانه أن يولى المسلمين فى الدواوين

وكان العزيز دائما يساير المسلمين فى شعورهم إلا أنه كان يضرب بعرض الحائط بشعور المسلمين وشريعتهم عندما يجد مصلحة البلاد عندما يديرها غير المسلمين فقد كانت توجهه المصاريف الباهظة التى أثقلت كاهل الميزانية نتيجه لبذخ الخليفة ومن جهة أخرى تسليح عدد كبير من الفرق إستعداداً للحروب ولم يعود العزيز غلى الضرائب الهلالية التى فرضها إبن المدبر آخر والى عربى بالرغم من هبوط الداخل إلى الخزينة من الخراج والجزية بالنسبة للعهود السابقة وقدر الشعب بجميع طوائفة هذا الإعتدال فى فرض الضرائب حق  قدره فى كل زمن وعهد

حادثة حرق الإسطول المصرى فى ميناء الإسكندرية

وفى هذه الأثناء وقع حادث يمكن أن يفسر على أن يكون مدبر من قبل النصارى لحماية بيزنطه من الإعتداء الإسلامى وهذا أمر بعيد عن التصديق لخوف المسيحيين من بطش المسلمين وإجرامهم أو قد يكون هذا العمل من قبل

المسلمين لجلب المصائب للنصارى والنقمة عليهم ولكنه إنتهى على غير ما يشتهى المسلمون – فيرى المؤرخ سعيد بن يحى الإنطاكى (15) فى هذا المقام : " كان العزيز قد إعتزم أن يغزوا بلاد الروم وأمر عيسى بن نسطوروس بإعداد الإسطول  وعزم على تسييره بعد صلاة الظهر من نهار الجمعة , فوقع فيه النار فى ذلك اليوم وأحرق منه ستة عشر مركباً

وأتهم الرعية بحريقة تجار الروم الواردين بالبضائع إلى مصر , فثار عليهم الرعية والمغاربة وقتلوا منهم مائة وستين رجلاً ونهبت كنيسة ميخائيل التى للملكية بقصر الشمع , ونهبت كنيسة النسطورية وركب إبن نسطوروس وقت النهب ونزل إلى مصر وتقدم بكف الأذى على الروم والمنع من معارضتهم , ونودى فى البلد بأن يرد كل واحد من النهابة جميع ما أخذه فرد البعض من ذلك , وأحضر من سلم من التجار الروم من القتل , ودفع لكل واحد منهم ما إعترفه وقبض على ثلاثة وستين رجلاً من النهابة وأعتقلوا , وأمر العزيز بالله بإطلاق ثلثهم وقتل ثلثهم وضرب ثلثهم فكتب رقاع منها "تضرب" ومنها " نقتل" ومنها "تطلق" وتركت تحت إزرار , وتقدم كل واحد من النهابة وأخذ رقعتة , وكان يعمل به بحسب ما يخرج فيها  (2) " وقد جرح فى هذا الشغب الذى أحدثة الغوغاء أسقف النسطوريين جراحات أدت إلى وفاته فيما بعد

الإحتفال بتكريم الوزير القبطى أبو اليمن لأمانته

وأرسل العزيز جنودا لأحضار أبو اليمن وحراسته ومعه المال الذى جمعه فوصل إلى القاهرة ومعه المال فخلع عليه الخلع ( أعطاه مالاً أونياشين أو أراضى) وأكرمه وافرج عن جميع أمواله التى إغتصبها وأخرج أهله من السجون واعاد إليهم كل ما سلبه منهم . وعندما رجع ابو اليمن قزمان إبن مينا

إلى مصر سليما ورجع إلى وظيفته واصبح وزيرمصر بدلاً من يعقوب إبن كلس ذهب إلى الأنبا أبرآم  البطريرك ليسترد أمواله المودعه عنده والتى كانت 90 ألف دينار فقال له : " سمعت بما جرى فى الشام فظننت أنك لن تعود سالماً وإذا ظللت حياً لن تعود بتاتاً وعندما قبض المعز على أهلك وإستولى على أموالهم ونهب بيوتهم خفت أن يعرف الخليفة المعز بأمر المال الذى أودعتنى إياه فيأخذه ولن تأخذ منه شيئاً ولن تستفيد فى الآخره منه شيئاً أيضاً فصرفته حسب ما أمرتنى به على الكنائس والفقراء والأيتام والأرامل" فلم يرد عليه أبو اليمن بكلمة حتى لم يحاسبه ولم يسأله سؤالاً مثلَ : فى أى شئ صرفت مالى ؟.. بل قال له : " يا أبى قد أحسنت إلى وفعلت معى جميلاً ورحمة إذ فرقت مالى على الكنائس الفقراء والمساكين والأيتام وأهل الحاجه من المعوزين ولم تبقيه عندك حتى لا يأخذه الخليفة المعز ويصرفه على الملذات والشهوات والحروب والقتل والسلب والنهب .

وقد إشتهر عدد من رجال عائلة أبى اليمن فى خلافة الفاطميين وأدوا خدمات جليلة لوطنهم ولكنيستهم ومن هؤلاء : الشيخ أبو المكارم بن حنا الذى إشتهر بتجديد قباب بيعة أبى نفر بالحمراء (17) والشيخ صنيعة الملك أبو الفرج  والشيخ علم السعداء أبو اليمن , والشيخ أبو الفرج بن أبى اليمن (18)

 ------------------------------------------------------------------------------

(1) تاريخ مصر فى العصور الوسطى 0 بالإنجليزية ) – ستانلى لين بول  ص119

(2) صفحات من تاريخ مصر 2- تاريخ مصر إلى الفتح العثمانى – تأليف عمر الإسكندرى و أ. ج. سَفِدْج – مكتبة مدبولى 1410هـ -1990م ص 214- 215

(3) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م  إعداد  د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951 ص 122

 

(4) صفحات من تاريخ مصر 2- تاريخ مصر إلى الفتح العثمانى – تأليف عمر الإسكندرى و أ. ج. سَفِدْج – مكتبة مدبولى 1410هـ -1990م أنظر ص 215 

(5) راجع مصر ورسالتها – د/ حسين مؤنس ص 115

(6) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م  إعداد  د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951ص123

(7) القرمطيون يرجعون بأصلهم إلى عبدالله بن ميمون القداح ( من القدس ) ويرجع نسبه إلى على إبن أبى طالب , قام زعيمهم بثورة فى كل البلاد الخاضعة للعباسيين فى عهد المعتض ثم هاجم فلسطين وسوريا – أطلق عليه لقب " قرمط" إستخفافاً بقصر قامته

(8) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م  إعداد  د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951ص 123

(9) الأنطاكى 172

(10)  ذيل تاريخ دمشق طبعة ليدن وبيروت ص 32

(11) إدعى بعض المؤرخين أمثال يوسف بن مرعى القدسى : أن الذى حمل العريضة هو شخص معين شق طريقة بين الجماهير المحتشدة وإختفى بعد ذلك , أما المكين , فهو يقول أن هذا الحادث حدث فى عصر الحاكم بأمر الله الذى إنتقم لهذه الجرأة بإحراق العاصمة راجع vattier, p. 267-268

(12) هو منشأ بن إبراهيم الفرار , عينة العزيز والياً على بلاد الشام – راجع د/ جمال سرور – الدولة الفاطمية بمصر ص 87

(13) أبو صالح الأرمنى ص35

(14) راجع آدم متز ج1 ص 114 نقلاً عن الكامل فى التاريخ لأبن الأثير

(15) سعيد النطاكى ص 178 - 179

(16) راجع أقباط ومسلمون - جاك تاجر- ص 125-  126. وقد روى المقريزى ما حدث بإختصار شديد راجع آدم متز ج1 من الحضارة الأمية ص 114

(17) كان بحى الحمراء ( فى ظاهرة القاهرة ) عدد من الكنائس هدمت كلها فى عهد السلطان برقوق المملوكى أبو الفرج , ولاشيخ علم السعداء أبو اليمن , والشيخ ابو الفرج بن ابى اليمن , والشيخ صنيعة الملك راجع دائرة المعارف القبطية لرمزى تادرس جـ أ ص 73

(18) راجع كتاب الخريدة النفيسة فى تاريخ الكنيسة – للأنبا إيسوزورس ب2 ص 248

 ====================================================================================

الفصل الرابع : مسلمون يعتنقون المسيحية أثناء عصر الخليفة الفاطمى العزيز

 

يقول جاك تاجر (1) المؤرخ أن العزيز بالغ فى إظهار عطفه على النصرانية  فى رفضه معاقبه من يهجر الإسلام ويعتنق الديانة المسيحية ومجمل الرواية أن أحد كبراء المسلمين , وإسمه (2)" وساع " إعتنق المسيحية  فقبضت عليه السلطات بتهمة الردة , ولكن بعض الشخصيات الكبيرة تدخلت لصالحة كما توسطت له زوجة الخليفة الذى أطلق سراح " وساع " دون أن يناله أى سوء أو أذى وإعتكف فى دير بالصعيد حيث قضى فيه بقية حياته . ولا شك أنه كانت هناك حالات كثيرة فى هذا العصر لأعتناق المسلمين الدين المسيحى إلا أن المؤرخون سجلوا الشخصيات الهامه أو الأحداث الهامه منها .

 

شهيد المسيح القديس المصرى

مار جرجس المزاحم

 

فى الوقت الذى الذى تراخى البابا القبطى فى إدارة الكنيسة ونشر الإيمان ولم ينتهز فرصة روح الحرية الدينية التى سادت بفضل الخليفة الفاطمى العزيز فكان كثيراً ما يدعوا الأنبا ساويرس إبن المقفع ليتناقش مع القاضى إبن النعمان فكان كل منهما يستعرض عقيدته فى حضرة الخليفة ورجاله فيستمتع الجميع لهذه المناقشات فى هدوء ورضى , ولم يقف الخليفة فى نشر هذه الحرية لهذا الحد بل أنه كان يرفض أن يلحق الأذى بالمسلم الذى يعلن إنضمامه لدين المسيح (3)  ووصل الأمر أن أحد المتنصرين وأسمه الواضح بن الرجا وأتيحت له الفرص لأن يتناقش ويلقى الخطب اللاهوتية علناً أمام المسلمين والقبط على السواء (4)

فى منطقة طلخا كان هناك إمرأة مسيحية تزوجها رجل مسلم بالقوة وكان لهما ولداً إسمه مزاحم  , وبلغ مزاحم من العمر إثنى عشرة سنة وهو فى دين أبية ولاحظ أن أمه تتركه وتذهب إلى الكنيسة كل أحد ,  فتبعها ذات يوم لترى ماذا تفعل داخل الكنيسة وخرجت ومعها قربانة فرجا أن تعطيه جزءاً منها فلما ذاق إستلذ طعمها , فكان يتتبع أمه كل أحد وينتظرها ليأخذ القربانه ثم دخل معها فى الأسابيع التالية , وبدأت علاقته بالمسيح فقد كان يذهب للكنيسة من تلقاء نفسه وفى عيد السيدة العذراء ذهب إلى الأنبا زخارياس أسقف دمياط ونال المعمودية على يد أحد كهنة الإيبروشية وأطلق عليه إسماً مسيحياً هو "جرجس" وبهذا أصبح معروفا بإسمه الجيد والقديم " جرجس المزاحم " لما فى إسمه القديم من معنى ثم تزوج من سيولا إبنة القمص أبانوب راعى كنيسة بساط النصارى0

 وعلم المسلمين بمسيحيته وخاصه أهل ابيه أرادوا أن يقبضوا عليه لأرجاعه إلى دين أبيه , فخافت عليه زوجته وهرًبته , فلما إكتشفوا ذلك ضربوها ضرباً مبرحاً لكى تقر بمكانه , أما جرجس فقد عمل فى معصرة للزيت فترة من الزمن ولكن المسلمين عرفوا مكانه فراحوا يهددونه ويرغبونه ويقلقونه فتارة يلقونه فى السجن ويطلقون سراحه وتارة يضربونه ضرباً مبرحاً ومرة يعذبونه وأخرى يحاولون إغراؤه بالمعيشة الرغدة والمقتنيات العالمية 0

وحاول والى المنطقة إقصاءهم عنه وأخبرهم أنه كتب للسلطان يستفهم منه عما يجب عمله مع مثل هذا الرجل , وتوقف المسلمين عن التعرض له لمدة أسبوع , وفى خلال الأيام الأخيرة كان جرجس فى سجنه يصلى بلا إنقطاع ويستشفع برئيس الملائكة ميخائيل وفى نصف الليل ظهر له رئيس الملائكة داخلاً زنزانته وهو يحمل رداء أبيض كالثلج وقال له : " إفرح  ياجرجس يا عبد يسوع المسيح  إن لى إسبوعا أسأل الرب عنك , فأرسلنى الليله إليك بهذا الرداء لتكون لك به قوه لتحمل الآلام , فتقدم إلى لأغطيك به " وأطاع جرجس الأمر

وحين نشر الملاك الرداء عليه صار واحداً مع جسده , ورسم عليه علامةالصليب , وتوارى عن عينيه 0

وبدأ جرجس جهاده فى اليوم التالى , فكان المسلمون يعذبونه حتى يموت أمامهم فيتركونه ملقى فى السجن ثم يذهبون لحال سبيلهم , وعندما يعودون فى اليوم التالى يجدونه ما زال على قيد الحياة فيعاودون تعذيبه وإستمروا على هذا الحال من الحادى عشر حتى الثامن عشر من بؤونه 695 سنة 979م أى حوالى سبعة أيام وحدث أن جاءهم رسول سلطانى إلى الوالى يحمل خطاباً يأمرهم بترك جرجس وشأنه , وقد قال الرسول السلطانى شفاهياً بأن إثنين من سكان القاهرة قد إعتنقا المسيحية وأن السلطان تركهما وشأنهما ( عدا الشهيد الواضح بن الرجاء ) ولكن حدة غضب المسلمين وثورتهم جعلتهم يتجاهلون الأوامرالسلطانية 0

وفى صباح يوم 19 بؤونة ذهب العامة ورعاع المسلمين إلى السجن وخيروا جرجس بأن عليه أن يختار بين الموت وإنكار المسيح ويبقى على قيد الحياة مسلماً , ولكن تهديدهم ضاع هباءً منثوراً , فأعلن لهما أنه على إستعداد لا لتقبل العذاب بل الموت مسيحيا على أن يصير مسلماً – فأخرجوه خارج البلدة وساروا به إلى شاطئ البحر وهناك ظهرت وحشيتهم فضربه جمهور المسلمين بالعصى والهراوات وسقطت بعض الضربات على رأسه فمات وظلوا يضربونه إلى أن تهشمت جمجمته , ولم يكتفوا بذلك بل أنهم قطعوا جسدة إلى أجزاء ورموا بجميع أجزاء جسدة فى البحر 0

 وبعد أن فعل المسلمين جريمه قتلهم جرجس تركوا المكان وراحوا يتفاخروا بوحشيتهم , وحدث فى ذات اليوم أن شماساً كان ماشياً عند شاطئ البحر فسمع صوتاً لم يعرف مصدرة يقول له : " يا أيها المؤمن المار على هذا الشاطئ – بإسم المسيح إنتظر إلى أن تقذف الأمواج إليك بجزء من جسد الشهيد جرجس المزاحم , فخذه وإعطه لزوجته المباركة سيولا " وإنتظر الشماس ليرى ماذا سيحدث , فرأى جزء من جسد قذفت به الأمواج فأخذه إلى بيت القديس جرجس فأخذت أمه الجسد ولفته بقماش أبيض وذهبت به إلى السيدة البارة سيولا التى وضعته بدورها فى بيت أبيها فترة من الزمن ثم وضعته فى الكنيسة بعد ذلك ولشده الآلام والعذابات التى لاقت القديس المصرى جرجس المزاحم أعطى ربنا للقطعه الباقية من جسده كرامة بعمل آيات ومعجزات وعجائب عديدة وقد أكد أبو المكارم (5) هذه الحادثة فى مخطوطه فقال: " أنه توجد فى طنيوا (6) من الغربية كنيسة للقديس جرجيوس الجديد وهو مزاحم إبن جامع العطوى أستشهد فى خلافة المستنصر وكنيسة أخرى على إسم الشهيد الجليل تادرس "

بركة صلاة القديس جرجس المزاحم تكون معى ومعكم يآبائى وإخوتى وأهلى آمين 0 (7)

 

 

 

مسلم آخر يعتنق المسيحية

الواضح بولس إبن الرجا الشهيد

 

حدث أن شاباً مسلماً من أهل مصر ( القاهرة) (8)إسمه الواضح ومهنته شاهد المعدلين ( وظيفته حضور مجلس قاضى والشهادة بالحكم تعادل المحلفين الآن) وابوه رجلاً شاهداً يعرف بابو الرجا وكان تعلم فى كتاب ومدارس المسلمين وحفظ القرآن عن ظهر قلب ونشأ وتربى تربية إسلامية منذ حداثته .

وفى يوم من الأيام كان الواضح يتمشى على ساحل البحر عند مكان يباع فيه حطب وبوص وإسم المكان بركة رميس فسمع هرج ومرج وناس يجرون إلى مكان فذهب ليرى فرأى إنساناً وقد أمسك به جند الخليفة وقد أعدوا الحطب والبوص لكى يحرقوه وتزاحم حوله الناس لكى ينظروا مسلماً تحول إلى دين

المسيح فكانها عجيبه من عجائب الزمان أن يحب إنساناً المصلوب .

فتقدم إبن أبى الرجا وإخترق صفوف الجند وقال مستعطفاً ذلك الذى تحول عن دين الإسلام : " يا إنسان ما الذى دفعك لهلاك نفسك بسبب دين تكفر بالله فيه بالله وتشرك به آخر فتستعجل بهذه النار فى الدنيا لتذهب إلى نارجهنم فى الآخرة لأنك تجعل الله ثالث ثلاثة وهو واحد لا يشبهه شئ وتقول أن لله ولداً والآن إسمع منى ودع عنك هذا الكفر وعود إلى دينك وانا أجعلك أخ ويكرمك كل واحد " فأجاب المقبوض عليه من وسط الجند : " لا تنسبنى إلى الكفر والشرك بالله تعالى ونحن لا نجعله ثلاثة إنما نعبد إله واحد هو الآب والأبن والروح القدس وليس الإبن غريب عن الرب الإله لأنه كلمته وكذلك الروح هى روحه فلا يمكن أن تفصل روح الرب وكلمته منه وسر ديننا عجيب مخفى عنكم لأن عقولكم لا تفهمه ولا تعقله ولا تتحمله وأنت الآن يا هذا قلبك مظلم لم تضئ روح الأمانة فيه بعد وأنا أرى أنك بعد مدة قليلة سوف يدنوا منك النور ويضئ قلبك بهجه حب المسيح وتجاهد عن الذى أنا أجاهد عنه وعلى إسمه أبذل نفسى وجسدى للألم والموت وستقبل أنت أيضاً هذه الآلام التى أنا فيها وتقاسى العذاب مثلى " فلما سمع إبن ابى الرجا قوله حنق عليه وإغتاظ منه وقال إسمعوا مايقوله هذا الضال الكافر وقال بصوت عال : " أترى إننى سأكون ضال وكافر مثلك وتتمنى لى أيها الكافر الكفر مثلك " ثم خلع نعله من رجله ولطمه به على فمه ووجهه ورأسه وآلمه باللطم جداً وجرح وجهه وسالت دماءه وظل يردد وهو يلطمه بدون وعى : " إننى لن أكون كافراً مثلك ولن يكون هذا أبداً  أيها المرزول " ولكن رد الرجل المضروب : " سوف تتذكر كلامى هذا ! " ولم يغتاظ منه وقاد القديس إلى السياف وأمره أن يقطع رقبته .

ثم قطع المسلمين عنقه ووضعوا عليه حطب كثير وبوص كثير حتى صار مثل قصر ( بيت ) عالى واشعلوا فيه النار وظن الناس أن جسده إلتهب من عظم النار وعلوها وصار رماداً فلم يقدر أحد أن يقترب منها لشدة حرارتها وبقيت النار مشتعله لمدة ثلاثة ايام حتى خمدت وكان جنود الخليفة يحرسوه ليلاً ونهاراً وبعد ذلك ازاحوا بقايا الحريق والرماد فوجدوا جسده مثل الذهب لم يحترق منه شيئاً فأخبروا المعز لدين الله الفاطمى فأمر بدفنه .

شاهد الشاب حرق المسلم الذى إرتد واصبح مسيحياً ورجع إلى بيته يفكر فيما قاله الرجل قبل أن يحرق ونام تلك الليله وهو حزين لأجل ما قاله لشهيد المسيح فلم تطلب نفسه الأكل أوالشرب بل كان جالساً شارد الذهن ولما رآه أبوه وإخوته حزينا متوجع القلب قالوا له : " ما الذى جعلك ساهم الفكر شارد العقل " فقص عليهم ما رآه وما قاله شهيد المسيح فقالوا له : " لا تفكر عما قاله ذلك الضال الكافر " ومع ذلك لم ينسى الشاب ما فى قلبه وظل الفكر متشيثاً فى عقله ووجدانه .

وذات يوم رأى الشاب جماعة من أهل القاهرة يعدون أمتعتهم ليقصدوا العراق للحج فقال لأبواه : " اريد ان احج مع الناس " ففرح ابوه بذلك ليزيل عنه همة ويسرى عنه بسفره ودفع له مائة دينار وسلمه لصديق له من المسافرين لمكة وقال له : " هذا هو ولدى قد سلمته لك تراعيه مثل ولدك إلى أن تعيده إلىٌ سالماً ولا تتركه يغيب عن عينيك ولو لحظة " وإشترى لأبنه كل ما يحتاج فى سفره.

ولما سارت القافلة ونام أبصر الشاب فى منامه فى بعض الليالى : ان شيخ راهب منير جداً وقف أمامه وقال له : " اتبعنى تربح نفسك " فلما إستيقظ قص حلمه على صديق والده فقال له : " يا ولدى يوفقك الله فإن الراهب هو الشيطان يريد أن يجربك فلا تجعل فكرك فيه  ثم ظهر له الراهب الشيخ فى حلم مرة ثانية فى اليوم التالى وفى اليوم الثالث أى أن ذات الحلم تكرر ثلاث مرات وقال له الشيخ كما قال له أول ليلة بلا زيادة أو نقصان .

 وذهبوا إلى حجهم وعادوا قاصدين مصر ومشت القافله ستة أو سبعة أيام وهم فى طريق العودة نزلوا عن جمالهم ليلاً ليشربوا ماء ويملأوا جرارهم به ثم ركب الرجل صديق والده جمله وتأخر الشاب قليلاً فَتاهْ فى الصحراء وجرى يسعى خلفهم ولم يرى أحد فى الظلام واصبح وحيداً وتعب ولم يجدهم فجلس وهو خائف من ثعابين الصحراء ووحوش البرية .

وإذا شاب راكب فرس بلباس مزين بحلى من ذهب وقف قدامه وقال له : " من أنت ؟ وكيف تهت فى هذه البرية وحدك " .. فقال الشاب : " نزلت عن جملى أشرب الماء فتركتنى القافلة " فقال راكب الفرس المنير : " إركب خلفى الفرس " فلما ركب طار بى الفرس فى الجو فلم أدرى أنه فى سماء أو أرض حتى صار فى لحظه أمام كنيسة القديس أبو مرقورة بمصر القديمة فإنفتح له الباب وحده من غير أن يفتحه أحد ودخل معه وهم راكبين الفرس إلى باب الإراديون ( الهيكل ) فأنزله هناك وإختفى من أمامه فوقف منزهلاً كأنه فى منام عجيب ثم رجع إلى نفسه وقال : " ما هذا الذى حل بى , ما هذا ؟ أهذه كنيسة للنصارى هل أنا يقظ ؟ أم انا فى حلم " ونظرت حولى فرأيت القناديل منيرة ورأيت الصور , فقال أليس فى تلك الساعة كنت فى البرية فوقف داخل الإراديون فنام هناك إلى أن أصبح الصباح .

وفى الصباح دخل أمنوت الكنيسة ( قيم الكنيسة أو خادم الكنيسة ) وظن أنه لص وصاح قائلاً : حرامى .. حرامى فأشار أبو الرجا إليه بيده ليسكت ويتقدم إليه فلما دنا منه قال الشاب : " ما هذا المكان ؟ " قال له : " كنيسة أبو مرقورة بمصر القديمة " فقال له : " أ أنا فى مصر ؟ " قال له : " نعم , وأنا اراك أمامى طايش العقل مجنون الفكر فعرفنى من أنت ؟ وما حدث لك ؟ " فحينئذ هدئ روع الشاب وقال له : " كيف لا يضل عقلى وأنا فى هذه الليلة كنت فى صحراء العربية وأنا لا أعرف كيف وصلت هنا الله هو العالم بذلك " فلما سمع الأمنوت المكان القادم منه الشاب قال : " ألم أقل أنك طايش العقل وأنك تهذى ولا تدرى ماذا تقول ؟ أنه بين هذا المكان وبين الموضع الذى ذكرته مسافة سفر شهر وإثنى عشر يوما وأنا فى ظنى أنك لص وقوة الشهيد أمسكتك بهذا المكان وأنت الآن تتحجج بهذه الحجة الواهية والتى لا يعقلها إنسان حتى تهرب من وجودك هنا ودخولك كنيسته " فقال أبو الرجا : " ومن صاحب هذا المكان " فقال أمنوت الكنيسة : " هو القديس أبو مرقورة الجليل (9) " فرد أبو الرجا : " أبو مرقورة نبى " قال القيم : " لا ولكنه شهيد قوى لأنه ترك مجد هذا العالم الفانى وطلب الآخرة وأستشهد ومات وهو على إسم المسيح لأجل إيمانه   وقد أظهر إسم المسيح أمام ملوك هذا العالم وقاسى من جراء ذلك آلام وعذاب شديد لأجل السيد المسيح وعوقب بأصناف وألوان شتى من عقوبات حتى أخذه الرب إليه وقبله فى ملكوت السماوات الدائمة , وبنيت هذه الكنيسة وكنائس أخرى على إسمه فى مواضع كثيرة لتمجيد الرب لنسبح إسم الرب فى الكنائس التى على إسمه , وله عند الرب شفاعة مقبوله يشفع فى الناس فيشفع فيهم ويظهر الرب عجائب كثيرة على إسمه المبارك " قال ابو الرجا : " صفه لى وما هى صورته ؟ " فقال القيم : " هو يشبهك وكان فى سنك أيضاً " ثم اخذه وذهب به إلى مكان صورة الشهيد بالكنيسة فلما رآه الواضح قال : " حقاً هذه صورة للذى ظهر لى ورأيته فى صحراء العربية وحملنى على ظهر فرسه هذه التى أراها فى هذه الصورة وهذه المنطقه كانت من ذهب التى رأيتها فى وسط كهيتها , والآن أنا أقول لك وأعرفك إننى رجلاً مسلم من أهل مدينة القاهرة وقد إقتنعت بعد هذه الأعجوبة التى جرت لى أن أصير مسيحياً نصرانياً " أخبر الواضح القيم بما حدث له بالتفصيل وقال له : " أنا إبن رجا الشاهد , وأنا لا أقدر أن أظهر لئلا يعرفنى أحد من المسلمين فيحرقوننى بالنار وتحرق الكنيسة بسببى ولكننى أريد أن تصنع معى معروفاً وتأخذ أجره من السيد المسيح وتخفينى فى مكان  بحيث لا يرانى فيه أحد إلى أن أدبر وأفكر فيما أنا سوف أفعله بعد ذلك وإحضر بكاهن فاضل تقى فهيم يعلمنى أصول الديانة المسيحية ومذهبهم وفرائض الشريعة ويثبتنى فى الإيمان فإن قلبى قد مال إلى هذا الدين "  

إقتنع القيم بما قاله وأخذه عنده فى مكان خفى فى الكنيسة وذهب إلى شيخ قس عالم تقى فاضل فأعلمه كل ما فى الديانه المسيحية وكان يتعلم منه وهو فرح واجابه القس عن كل أسئلته وأبان له كل ما أخفاه عنه المسلمون وأوضح له حقائق اللاهوت , وراح الشاب ينهل من ينبوع المعرفه المسيحية وكلما نزل إليها ليرتوى من مياهها الحلوه أراد أن يدخل إلى العمق فطلب الأناجيل المقدسة ليقرأها وأراد أن يتعلم من كتب الكنيسة القديمة والمكتوبة باللغة القبطية وكان الشيخ يفسرها له باللغة العربية وأصر الشاب على قرائتها بنفسه وقال فى إصرار : " اريد ان أقراها وأفهمها وأعرفها ليثبت عندى صحة الأيمان بأساس قوى لأن الآلام التى أنا مقبل عليها لا تحتمل إذا كان إيمانى ليس قوياً " فأحضر له القس الإنجيل وكتب الأنبياء وجميع الكتب القديمة والحديثة التى تشرح الإيمان الأرثوذكسى ووحدانية الرب فى الثلاثة أقانيم  أى الآب والأبن والروح القدس وسبب تجسده وموته المحيى وقيامته من بين الأموات وحلول الروح القدس البارقليط على الرسل فقال الواضح بعد أن قراها : " مبارك هو الذى سلك فى هذا الطريق شاول المسمى بولس الذى سمع صوت الرب يقول له شاول شاول لماذا تناصبنى العداء , ثم أنقذه من ضلالته الناتجه من عدم المعرفة هكذا أنا أسأله أن يهدينى وينعم على بغفران ما فعلت ضده لأظهر إسمه بين الأمم " وظل مده طويله يبحث ويدرس فى الكتب القديمة والمخطوطات التى حفظها المسيحيين بعيداً عن أعين المسلمين .

حتى أنار الرب قلبه وفهم أسرار المذهب المسيحى وبنى إعتقاده على أساس صخرى قوى لا يهتز وأراد قبول الأيمان وقال ابو الرجا : " من الآن يارب لن يفرقنى أحد عن محبة المسيح ضيق أم سبى أم جوع أم نار أم سجن ...ألخ" وكان قلبه قد تقوى وطلب من الشيخ القس أن يعمده فخاف القس لئلا تكون هذه ضربة من الشيطان فاشار عليه أن يذهب إلى وادى هبيب (النطرون) ومن كثرة محبته لقبول الإيمان ألح عليه إلحاحاً شديداً وعمل له مطاونات كثيرة وقال له : " ربما لا أعيش حتى أصل إلى هناك " وظل يبكى ويتوسل إليه حتى عمده وسماه بولس ويقول إبن المقفع عنه عندما تحول إلى المسيحية  (10) فلما لبس نور حله ( ثياب) المعمودية ذهب إلى السوق وإشترى ثياب ذريه ( رثه) ولبسها وطلب أن يصلى القس عليه وخرج ولم يعرفه أحد لتغير زيه وسحنته ( شكله) من كثرة صومه وصلاته وإجتهاده ووقوفه لقراءة الكتب التى كانت قرائتها عنده حلوه كالشهد ومثل العسل فى الطعم "

وكانت العاده الجارية فى ذلك الوقت أن ترسل قافله الحجاج عند إقترابها

من مصر شخصا ينادى بوصولها فى شوارع القاهرة , فخرج أهل الحجاج يركبون خيولهم مسافة يومين لإستقبالهم من بعيد , ولما خرج إخوته مع جميع الناس للقائه ودوروا عليه فى القافلة وفتشوا عنه فلم يجدوه وذهبوا إلى صديق أباهم وسألوه عنه فبكى وعرفهم أن أخاهم تاه فى صحراء العربية ليلاً وقال لهم : " وقفت طويلاً أنتظره فلم يجئ , وخشيت أن أفقد القافلة فلحقت بأعقابها وسرت بغير إختيارى وحال الليل بينى وبينه , وظننت أنه ربما يكون قد سبقنى فى أول القافلة , فلما كان الصباح طفت طول اليوم أسأل عليه فى القافلة كلها فلم أستدل على وجوده فعلمت أنه فقد من القافلة وأكلته وحوش البرية " فلما سمعوا ذلك شقوا ثيابهم حزناً على أخيهم وعادوا إلى أبيهم وأخبروه فأقام مناحة وجنازة عظيمة وظل حزيناً مده طويلة .

وعرف الجميع بموت أبو الرجا وكان شاب من اصدقاؤه ساكن بجوار كنيسة الشهيد مرقورة فرآه فى يوم قد خرج من الكنيسة وعاد إليها وكان يلبس ثياب صوف وعليه زنار (11) فقال : " حقاً إن الناس متشابهين لو لم يكن الواضح قد مات لقلت أنه هذا " وفى نفس اليوم تصادف أن قابل ابوه وأخوته فقال لهم : " أردت اليوم أن أمسك إنسان نصرانى عند كنيسة أبو مرقورة وقلت أنه ولدكم لولا علمى بموته لقلت أنه هو لأنه يشبهه فى الشكل والمظهر والطول حتى مشيته ولكننى شككت فى ما رايت لأنه يلبس الصوف والزنار الذى يلبسه المسيحيين " فلما سمعوا منه هذا تجدد البكاء الحزن فى قلبهم .

وإشتهى إخوته أن يريان هذا الشخص وأن ينظرا من يشبه أخوهما وفى العشاء تنكرا ولبسا زياً رثاً وإختفيا فى ركن عند باب الكنيسة ووجها أنظارهما على من يدخل ومن يخرج من الكنيسة وكان وقت صلاة الغروب فلما فرغ الأقباط من صلاتهم خرج الشاب معهم فعرفوه وتبعوه إلى الساحل فلما أصبح فى مكان بعيداً عن الناس أمسكوه وبكيا وضربا وجوهما ( لطما) وقالوا له : " ما هذا الذى فعلته بنا يا أخونا  ؟ " .. فقال لهما : " الذى بى لا تعرفانه " فقال أحدهما للآخر ما هذا الكلام لئلا يكون دخله شيطان فنفتضح بين الناس فامسكاه برفق وذهبا إلى بيتهما فتجدد الحزن بين أهله لما رأوه على هذه الحالة وأمر أبوه وأمه أبناؤهما الآخرين وقالوا لهما : " لا تتكلموا معه أنتم حتى نكتشف نحن ما به وماذا أصابه لئلا نصبح فضيحه " ثم اغلقوا جميع الأبواب وإنفردوا به فلما رأوه قالوا له : " أ أنت ولدنا ؟ لقد فضحتنا يا واضح بدخولك ديانه الكفر ومرغت شيخوختى فى العار وسأحنى رأسى وأنا سائر بين أعيان وشيوخ المسلمين " قال لهم : " انا بولس (12) " فقال أبوه لقد فضحتنا ياولدى وفضحت

 شيخوختى بين القضاة والشهود ولعلك فعلت هذا لأنى لم ازوجك وقد كنت أفكر أن أزوجك إذا رجعت من الحج وتكون الفرحه واحده بدلاً من أنفق فى عرسك مالاً كثيراً " فقال أنا لست كافراً لأنى إهتديت إلى دين الحق وأرجوا أن يهتدى به كل مسلم وقد تبعت الإنجيل الذى يأمر القرآن بإتباعه وليس فى ذلك عار بل كل شرف ومجد " فقال أبوه : " لقد ضللت وإستحوذ على عقلك التيه والغرور أنا ابوك آمرك أن ترجع إلى دين الإسلام وأشفق على شيخوختى بين الناس " فقال الواضح : " أنا أحبك ولكن المسيح يقول من أحب أماً أو أباً أكثر منى فلا يستحقنى فإننى أطيع يسوع لمحبته فى درجه أولى ثم طاعتك ومحبتك " وظلوا يلحوا عليه طالبين منه ألا يفضحهم وسط الناس أو يخزيهم فى هذه المدينة وظلوا طوال الليل يتكلمون معه وهو يقول لهم : " لا أعرف " ولما باءت جميع طرقهم بالفشل وضعوه فى حجرة مظلمة ثلاثة أيام بلا طعام أو شراب ولم يقدروا على إثناء عزمة وإرجاعه عن مسيحيتة , أما أمه فقد كانت حزينه عليه وتبكى بكاء مراً حتى أنها لم تذق الطعام مثله فأخرجوه وقدموا له طعام فلم يأكل منه شئ ويقول إبن المقفع (13) عنه : " وكان كأنه خرج من حفلة أو وليمة غير محتاج إلى طعام ولا إلى شراب كما قال أشعياء النبى : إن الذين عقولهم عند الرب تبدل قواهم ولا يجوعوا ولا يعطشوا "

ولما أعياهم أمره تشاوروا على قتله لئلا يفتضحوا بإعتناقه الدين المسيحى ولكن قلوبهم رقت عليه وأخرجوه سراً وذهبوا به إلى الجيزة وقالوا له : " إبعد عنا نستريح من فضيحتك " فذهب إلى وادى هبيب (النطرون) وأقام هناك عند راهب فعلمه طريق الرب ورهبنة فلما مضت أيام قليلة قال له بعض من لا يفهم من الرهبان : " إن الرب لا يقبل نصرانيتك إلا أن تذهب إلى القاهرة وتشهر نفسك بحيث تعرف " .. فأطاعهم وعاد إلى القاهرة وذهب إلى منزل أبوه وقد عزم على الإستشهاد على إسم المسيح فلما رآه أبوه بزى الرهبان ضج وصرخ وإغتاظ منه وقال له : " ما هذه الفضيحة , ذهبت وجئت بطرطور صوف ( يعنى القلنسوة المقدسة التى يلبسها الرهبان التى هى بيضة الخلاص)" ثم أخذه وحبسه فى مطمورة مظلمة يطرح فيها كناسة التراب والرماد ووسخ الدار والزبالة  وقفل عليه بابها من أعلى وأقسم على كل من فى الدار ( البيت فى القرى ) ألا يعطوه خبزاً ولا ماء ومن يعطيه شئ سيعاقبه وامر غلمانه وخدمه أن يلقوا عليه كل ما يكنسوه من تراب ورماد ووسخ الدار وغسيل القدور وظل هكذا ستة ايام وامه باكية عليه وهى حزينه على إبنها وكانت تدلى له الخبز والماء بحبل فلا يذوق منه شئ , ولما تمت الستة أيام ضعفت قوته وكان ملازم

الصوم والصلاة ليله ونهاره وظهر له فى اليوم السابع الراهب الذى كان ظهر له أولاً وهو فى طريقه إلى مكة وفى يده خبز نقى فظن أنه خيال فلم يأكل منه شيئاً فقال له الراهب : " أتعرفنى " قال له : " نعم أنت الذى رأيتك فى المنام ثلاث مرات فى الطريق إلى مكة " فقال الراهب الشيخ : " نعم أنا ذاك , وأنا مقارة أب وادى هبيب والآن فقد أرسلت إليك من قبل الرب لأقويك فأصبر لأن لك مجازاة عظيمة " ثم غاب وإختفى من أمامه فأخذ الخبز الذى تركه وأكل بعد ان صلب عليه فقويت نفسه , وأخيراً أخرجه ابوه من ذلك المكان وتعجب كثيراً من عدم تغير وجهه بالرغم من بقاؤه هذه المده بغير طعام ولا شراب , وتكلم معه لترك الدين المسيحى والعوده إلى الإسلام فلم يجاوبه بشئ ولما تعب منه لم يقدر عليه بمناقشته .

وكان من عاده ذلك الزمان أنه عندما يترك الأبن مرحله الطفولة ويصبح شاباً يعطيه أبيه سريه أو خادمة هدية يمارس معها الجنس وكان أبوه قد أعطاه سريه ورزق منها ولداً ( وحسب الشريعة الإسلامية تصبح حرة ويتزوجها ) وذلك قبل ذهابه إلى مكة بمدة فأحضر بولس أمامه كما طلب من أخوه الكبير أن يحضر هذه السرية ولما حضرت أمر أخيه الكبير أن يجامعها قدامه (يمارس الجنس مع أم إبنه قدامه) ففعل أخيه الكبير هذا الفعل المشين .

وكان ولد بولس من الجارية يتعلم العوم فقال أبوه له : " إن لم تطيعنى وترجع عما أنت وترجع إلى الإسلام عليه سأغرق إبنك الذى تحبه قدامك " فرد بولس على ابيه : " نعم أنا أحبه لأنه إبنى ولكننى أننى أحب الرب أكثر منه " فأحضر العوام الذى يعلمه العوم سراً ودفع له دينارين وقال له  : " إنزل الصبى معك فى العشية لتعلمه العوم وغرقه " وأنا أحضر لأنظره وأتعرف عليه " فوافقه العوام على إتمام هذه الجريمة .

وفى العشية أخذ أبو الرجا الشاهد إبنه الراهب  أبو الصبى ( حفيده) وذهب به معه إلى النيل ونزل الصبى مع معلمه إلى البحر والصبى لا يدرى ماذا سيحدث له وبدأ يعومه ولما أصبحا وسط النيل غطسه لحد رقبته ودعوا والده ليسلم فإغرورقت عينا الواضح وبكى وصرخ من الألم وقال : " إنى أحبه أحبه يارباه إنه ولدى من جسمى ومن دمى ولكن كما قدم إبراهيم الخليل إبنه إقبل إبنى ذبيحه طاهره نقيه فى معمودية الشهادة وإنى أقدمه لك عنواناً على محبتى الفائقه لك وكما قبلت أطفال بيت لحم الذين قتلهم هيرودس أمام أمهاتهم وآبائهم إقبله من أجل إسمك " وإلتفت إلى العوام وصرخ بأعلى صوته وقال له :" أنا مسيحى أنا مسيحى"  غرقه العوام وابوه الراهب ينظر إبنه يغرق أمام عينيه والطفل يضرب الماء بين يدى العوام حتى إختنق وأصعده ميتاً ووضعه أمامه وعادوا جميعاً إلى الدار وحبس أبو الرجا إبنه الواضح فى مكان آخر .

وكتب رسالة إلى السلطان وكان الخليفة فى ذلك الزمان الحاكم بأمر الله ويقول إبن المقفع (14)" كما قال الإنجيل يسلم الأب إبنه للموت " فأمر الخليفة بحضور الراهب مع ابيه عند قاضى القضاة والشهود يناقشونه فإذا أدين فى أى عمل يقتل وإذا لم يدين يطلق سراحه فلما إجتمعوا بحضور واسطة خير( شخص عين للصلح بينهما)  عينه الحاكم بأمر الله فلم يثبت أبوه عليه حجة يعتقد أن الذى فعله أبوه بقتله طفلاً مسلماَ الذى هو حفيده كان حجه ضده وقال إبن المقفع   (15)  " كما قال السيد المسيح إنى اعطيكم نطق وحكمة لا يقدر أحد أن يقاومها " فإنصرفوا خائبين خجلين , ولم يرجع أحد أن يخاطبه فأمر الحاكم بإطلاقه يذهب حسب ما يشاء .

فذهب إلى رأس الخليج وإبتدأ فى بناء كنيسة هناك ما بين بركة الحبش وبنى وايل على إسم الملاك الجليل ميخائيل وأتم بناؤها وكان قوم فى القاهرة يعرفوا بإسم الرمادية ذهبوا ليلاً وسرقوا الخشب من هذه الكنيسة فلما كان الصباح رأى القديس إبن الرجا بعضهم فى تلك المنطقة فقال لهم : " لقد عرفت أنكم أخذتم الخشب ليلاً وعرفت المكان الذى أخفيتموه فيه , فأعيدوه إلى مكانه وإلا شكوتكم لوالى القاهرة " فأنكروا ذلك وقالوا : " نحن لم نأخذ شيئاً " قال لهم : " سأمضى إلى الحاكم وهو إن شاء الله  يطالبكم بأخذ الخشب من حيث أخفيتموه فيه وسوف يأذيكم " فخافوا وأعادوا الخشب إلى الكنيسة بكامله .

وكان القديس إبن الرجا قد سمى نفسه الواضح وصار صديقاً لرجل عالم فاضل هو الأنبا ساويرس المعروف إبن المقفع وكان ساويرس الأسقف والواضح ابن الرجا القديسين يتذاكرا أكثر أوقاتهما ويفتشا كتب الرب لينور عقولهما وكتب الواضح إبن الرجا كتابين باللغة العربية أحدهما سماه الواضح  والإعتراف وكشف فيهما عرى المخالفين – وبهذين الكتابين شرح ما غمض وما كان غير مفهوم وخصمهم كان من دينهم  ويقول إبن المقفع  (16) " كما فعل شمشون الجبار لما أشعل النار فى أذناب الثعالب وأطلقها فى زرع أعدائه فأحرقة وكتب فيهما شرح لحياته " ولكن جاء فى دائرة المعارف القبطية (17) : " أنه كتب أربع رسائل ( كتب) لا إثنين وعنوان الرسالة الثالثة هو ( هتك المحجوب) والرابعة ( سيرتة الخاصة) كذلك بنى كنيسة الملاك ميخائيل فى راس الخليج "

وبعد أن أتم إبن الرجا بناء كنيسة الملاك ميكائيل فى رأس الخليج عاد إلى وادى هبيب وظل هناك سنتين يمارس الصلوات والطلبات والصوم والنسك       الشديد ولما رأى الرهبان ما هو عليه من العبادة والعلم الغزير فقاموا ومسكوه قهراً وبغير رضاه ورسموه قساً فى إسكنا بنيامين المقدسة فطالبه تلاميذ البطرك بدنانير ( هى عادة السيمونية أو الشرطونية السيئه يطالبون من القساوسه أو الأساقفه بثمن رسامتهم ) فصعب عليه ذلك جداً ( أى كيف يحصلون دراهم لقاء موهبة الرب ) ولم يكن معه شئ فرآهم بعض الأراخنه يقلقون الراهب القديس فقاموا بدفع الدنانير المطلوبه منه .

أما أبوه المسلم عندما علم بأن إبنه صار قساً إغتاظ فى قلبه وأرسل دنانير إلى بعض العربان الذين يقطنون ويسكنون تلك البريه التى بجوار الدير ليقتلوا إبنه القس وسمع بعض الرهبان بنيه العرب بقتله فقالوا لأبن الرجا : " لقد فعلت ما يجب وأظهرت إسم المسيح فى المكان الذى يتمجد فيه إسمه والآن لا تسلم نفسك للموت ولكن إمضى إلى الريف وإخفى نفسك فيه " .

وذهب كاتب السنوديقا ( يكتب الأحداث والأوامر الباباوية) بكرسى مار مرقس البشير إلى سندفا وهو شماس إسمه تيدرا إبن مينا من أهل منوف ودخل إلى كنيسة الشهيد تادرس فوجد القديس بولس إبن الرجا طريح الفراش ومريض بحمى شديدة فضرب له بولس مطاونه بالرغم من شده مرضه وقال له : " لا تفارقنى حتى توارينى التراب وتأخذ البركه فلم يبقى لى فى العالم إلا يومين فإذا أنا مت فقم بدفنى قبل أن يعلم المسلمون فيأخذوا جسدى ويحرقوه بالنار " وكان قوله هذا فيه روح نبوة ولما مر اليومين مات القديس فأذاع الشيطان خبر موته فى المحله وسندفا فركب أهل المحله المراكب وإنتقلوا إلى سندفا وفى أقل من ساعه تجمع أهل المدينتين وأحاطوا بالكنيسة ولم يدعوا الداخلين يدخلون أو الخارجين يخرجون وتحير الشماس وفكر فى نفسه : " ماذا أفعل ؟ " وفيما هو حائر ويمشى فى أرجاء الكنيسة زلقت رجله تحت عتبه من الحجر فرفعها فوجد تحتها فراغ يسع جسد إنسان ومكان حسن نظيف , فأنزل جسد القديس بولس إبن الرجا فيها وردم التراب وأعاد البلاطة الحجر كما كانت عليه وأصلح الموضع كما يجب وفتح الباب فدخل المسلمين الذين يطلبون جسده فلم يجدوه وطافوا بأرجاء الكنيسة فلم يعثروا عليه فخرجوا هم وشيطانهم فى خزى شديد .

والشماس تيدرا إبن مينا وكيل البطريرك هو الذى ذكر أحداث هذا القديس وروى تاريخ حياته لميخائيل المؤرخ أسقف صان الحجر ( مديرية الشرقية) (18)  وقال : " أن القديس بولس إبن الرجا أقلقه ثلاثة أشياء :-

1.        عندما أمر أبيه أخوه الكبير بمجامعه سريته ( إمرأته وأم إبنه ) أى ممارسه الجنس معها أمامه .

2.        عندما أغرقوا إبنه أمامه .

3.        والأمر الذى أقلقنى بالأكثر عندما رايت البطرك يرانى وتلميذه يطالبنى بالدنانير على قسمته لى قسيساً وهو ساكت لا يمنعه ولا يردعهم ويعتقد أن هذا كان فى أيام البطرك فيلاتاوس .

وقال أبو المكارم فى مخطوطه (19):" صندفا (20) من الغربية كنيسة للشهيد تادرس فأطاعهم وذهب إلى سندفا وأقام فيها لمده سنتين حتى صار قيم كنيسة الشهيد تادرس ملازما لخدمتها ليلاً ونهاراً وإنزعج الشيطان من خدمته كما حدث فى الأماكن السابقة التى تواجد فيها ودخل الشر فى قلب قوما من المسيحين فأذاعوا قصته فى سندفا والمحلة وكان ذلك قبل وفاته بيومين .

وفيها جسد يؤنس المعترف بالمسيح الذى إختار الآخرة عن الدنيا الفانية وتدين بالإمانة الأرثوذكسية وكان معروف بإبن الرجا وصار قسيساً إسكنا بنيامين بدير القديس أبو مقار وهو المعروف بوضع كتاب يعرف بالواضح  وهذا البار المنتخب مدفوناً فى مطمورة تحت القبة التى للارديون الهيكل وألف يؤنس كتب كثيرة منها كتاب نوادر المفسرين , وكتاب غلط المتأولين , كتاب إنحراف المخالفين , كتاب كشف الحجاب , سيرته لنفسه – والكنيسة المذكورة خارج البلد ويعيد له فى العشرين من أبيب يوم عيد القديس تادرس ويجتمع إلأى هذا العيد شعب كثير من أهل البلاد "  

مسلم يتنصر فى بغداد 

الــــهـاشــمـى يرى طفلاً موضوع فى الصينية

ذكر الأنبا ساويرس إبن المقفع ما حدث من الهاشمى فى بغداد إلى الواضح إبن رجا الذى سجلها فى كتابه الواضح وهو من المخطوطات فقال

: أن الأسقف إبن المقفع ذكر له أنه كان فى بغداد قائد فرقه فى الجيش إبن خليفة إسمه الهاشمى ولم يهتم قط بأى شئ من أمور الخلافة لا كسوة أو جمال .. ألخ ولكن كان كل عمله هو أنه كان يركب حصانه ومعه جنده ويذهب إلى كنائس النصارى فى وقت إقامة القداس الإلهى فيدخلها وهو راكب ويأمر جنوده بأخذ القربان من على الهيكل ويكسروه ويخلطوه بالتراب ويقلب الكأس ثم يذهب إلى كنيسة أخرى وهكذا كل يوم , حتى كادت بغداد تخلوا كنائسها من القداسات وإمتنع أكثر الكهنة من إقامة القداس خوفاً من تدنيس المقدسات , وكانت المعونة الإلهية تجذبه من حيث لا يدرى .

وفى يوم من الأيام دخل إلى إحدى الكنائس البعيده عن بغداد كعادته قاصداً الذبيحة ففتح الرب عينية فأبصر طفلاً جميلاً نبيلاً فى وقت القسمة وقد ابصر الكاهن وقد ذبحة وصفى دمه فى الكأس وفصل لحمه قطعة قطعة فبهت الهاشمى ووقف مذهولاً ولم يستطع الحركة ثم خرج الكاهن يقرب الشعب باللحم وكذلك الشماس بالدم وهو ينضرها فتعجب وقال لجنده : " ألا تروا ما فعله هذا الكاهن ؟ " قالوا له : " نحن نراه " ..  قال لهم : " نصبر لهذا .. يأخذ طفلاً يذبحه ويقسم لحمه على هذا الجمع العظيم ويسقيهم من دمه " فقالوا له : " الله يوفقك يا سيدنا – نحن لا نرى إلا خبز وخمر " فزاد خوفه وتعجبه أما باقى الشعب المسيحى فى الكنيسة فقد تعجبوا لوقوفه هكذا باهت ولم يفعل بالقربان ما كان يفعله عاده , فلما فرغ الكاهن من الصلاة وصرف الناس ولم يبق أحداً بالكنيسة إلا هو والكاهن وجنوده وذكر له ما رآه فقال الكاهن : " يا سيدنا أعيذك بربنا – ما هو إلا خبز وخمر " فلما علم أن سر هذه الرؤية لم يظهر إلا له فقط فقال له : " أريد أن تعرفنى سر هذا القربان وبدايته " فعرفه الكاهن كيف أن المسيح أخذ أخذ خبز والشراب فقسم ذلك على تلاميذه وقال لهم : خذوا وكلوا هذا هو جسدى وإشربوا هذا هو دمى إشربوا منها كلكم غفراناً لخطاياكم – وعلمونا التلاميذ صلاه نقولها على الخبز والخمر إذا جعلناها على المذبح فيتحول الخبز يصير لحم ويصير الخمر دماً سراً كما أراك الرب اليوم وهما فى الظاهر خبز وخمر لأنه لا يقدر أحد فى العالم يأكل لحماً نيئاً أو يشرب دماً غبيطاً وإنما الرب أظهر هذا السر الخفى الحقيقى المقدس خلاص لنفسك – ثم قرأ له الكتب المقدسة وبين له ما خفى عليه من المعرفه المسيحية حتى طاب قلبه للدخول فى المسيحية وإعتناقها فأمر جنوده وأصحابه بالإنصراف وبات هناك مع الكاهن وعمده بالليل وصار نصرانياً فلما كان اليوم التالى حضر جنوده وأصحابه بالدابه ليرجع معهم فطردهم ولم يكلمهم – فلما علموا بخبر تنصره وتركه الإسلام  ذهبوا إلى أبيه فحزن حزناً شديداً وأرسل جنوداً لإحضاره بالقوه إذا رفض الحضور وكلمه باللين والتهديد وتعب معه تعباً شديداً وعذبه عذاباً شديداً فلم يقدر أن يحوله عن رأيه وأخيراً امر ابيه أن يقطع رأسه حتى لا يتسرب نبأ إعتناقه الديانة المسيحية فقطعت رأسه بالسيف على إسم المسيح وتم إستشهاده بركاته تحل علينا وشفاعته تكون معنا فأما جسده المقدس فأخذه النصارى وبنوا عليه كنيسه تعرف بكنيسة الهاشمى . 

--------------------------------------------------------------------------------

(1) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م -إعداد  د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951ص 125 5) وكذلك Stanly Lane Poole , History of EgYpt In the Middle Ages . pg 119

(2) راجع الكتاب السابق ص 125الذى قال فى حاشية كتابه كتبه المستشرق " كاتريمير" باللغة اللاتينية (Vasah)

(3)  تاريخ مصر فى العصور الوسطى 0 بالإنجليزية ) – ستانلى لين بول  ص 109

(4) تاريخ المسيحية الشرقية ( بالإنجليزية ) عزيز سوريال عطية ص 89

(5)  تاريخ ابوالمكارم تاريخ الكنائس والأديره فىالقرن 12 بالوجه البحرى طبع سنه 1999 ج1 ص 68

(6) طبانوها مركز طلخا غربية

(7) عن المخطوط المحفوظ بكنيسة القديس جرجس المزاحم – كتبه الراهب مينا الذى ضمن هذا القديس أمام الوالى حينما كان الوالى متردداً فى أمره , وقد عثر على هذا المخطوط إلى جانب الأنبوبة التى تحتوى على رفات القديس الشهيد فى هيكل الكنيسة المسماه بإسمه – وهذه الكنيسة تقع الآن تحت كنيسة السيدة العذراء القائمة فى بساط النصارى _ السنكسار الأثيوبى .. ترجمته واليس بودج ج4 ص 1013 - 1015

(8) كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900  ج3 أنظر حاشية ص 23 

(9) وهى نفس الكنيسة التى جددها البطريرك أفرايم وهى ما زالت باقيه إلى هذا لايوم وتعرف بكنيسة أبى سيفين طموه بقرب القاهرة وهى منظرها جميل للغاية كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900  الجزء الثانى ص 18

(10) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999  الجزء الثانى ص88

(11) ( هى الملابس التى فرضها المسلمين على المسيحين بلبسها فى عصور الإضطهاد الإسلامى حسب شريعتهم الإسلامية وقد فضل لبسها وصار مثل موسى الذى رفض أن يدعى إبن إبنه فرعون مفضلاً عار المسيح على التنعم)

(12) ( وهو الإسم الذى اطلق عليه عند معموديته)

(13) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999  الجزء الثانى ص 90

(14) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999  الجزء الثانى ص 91

(15) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999  الجزء الثانى ص 91  

(16) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999  الجزء الثانى ص 92

(17) دائرة المعارف القبطية – رمزى تادرس ج1 ص 35

(18)  كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900  ج3 ص 22

(19) تاريخ ابوالمكارم تاريخ الكنائس والأديره فىالقرن 12 بالوجه البحرى طبع سنه 1999 ج1 ص 44

(20) مركز المحلة الكبرى غربية

=====================================================================================

الفصل الخامس : البابا فيلاتاوس البطرك رقم 63

 

ظل الكرسى السكندرى خالياً لمدة ستة شهور بلا بطريرك وفى شهر طوبة من تلك السنة فى عهد الخليفة الفاطمى عبد العزيز بن المعز خلف الراهب فيلوثاؤس من دير أبى سيفين وقيل أنه من دير أبى مقار فإجتمع السنودس        ( المجمع المقدس) فى مصر القديمة كما جرت العاده وذكر البعض أن هناك راهباً تقياً إسمه يوحنا بدير أبى مقار فى منشوبية تعرف بذكر قفرى فأرسلوا فى طلبه فلما وصل يوحنا وجدوه شيخاً كبيراً طاعناً فى السن ولا يصلح للرعاية ولكنهم رأوا تلميذه فيلاتاوس طويل القامة جميل المنظر فجعلوه بطريركاً حتى أنهم لم يتكلفوا مشقه السؤال عنه والبحث عن شخصيته , وإتبع العادة الرديئه فى أخذ المال عن رسامة الأساقفة .

البطريرك وعائلة إبن المطيع

وكانت عائلة من القبط تتمتع بنفوذ واسع ومركز فى الحكومة ووصلت إلى غنى وثراء لم يصله أحداً من قبلهما وإسم هذه العائلة بنى مطيع , وإستغلت هذه العائلة نفوذهم وسلطانهم فإمتد إلى الكنيسة نفسها وفرضوا سطوتهم علي البابا الإسكندرى فإشترطوا عليه أن لا يرسم أسقفاً على أيه إيبراشية من غير موافقتهم , ومع ما فى هذا الشرط من غرابه ومن خروج على قوانين الكنيسة فقد نزل الأنبا فيلوثينوس على رغبتهم ربما لأن شخصيته تسمح بذلك أو لأنهم كانوا يسهلون امور الكنيسة , إلا أن بنى المطيع لم يكن لهم هدف إلا تكديس المال , فكانوا لا يقيسون المرشح لمنصب الأسقفية إلا بمقدار ما يستطيع تقديمه لهم من مال وهكذا أهانوا كرامة الكهنوت إذ جعلوا السيمونية قاعدة للتعامل وأساس الوصول إلى المواهب فتركتهم البركة .

 وكان هناك سلاماً  فى مصر فى زمن الخليفة المعز لدين الله الفاطمى وكذلك أيام إبنه العزيز بالله وكان فى أيامه جماعة الكتاب الأقباط يتولون إداره البلاد ومنهم قوم عرفوا ببنى المطيع إتفقوا مع البطريرك أن لا يقسم (يرسم) أسقفاً إلا بعد أخذ رأيهم حتى لا يأخذ مالاً عند رسامتهم

وكان بمنوف العليا أسقف إسمه مقارة كان كاتب السنودس ( المجمع) وأخوه أسقف طانه وأسمه مينا مقيم فى دمروا وكان البطريرك يسكن فى محلة دانيال فتنيح أنبا مينا أسقف أسقف طانة فقال اخوه أنبا مقارة أسقف منوف للبطرك الأنبا فيلاتاوس : " إن أنت سمعت منى أشرت عليك بمشورة جيدة " قال له : " وما هى ؟ " قال أنبا مقارة : " كرسى اسقفية طانة الذى كان لأخى هو كرسى يدر ربحاً وفيراً وهو مكان والدك - ولأخى فيه مسكن جيد بدمروا فخذ الآن أبيك الراهب الذى فى قلايتك وإرسمه عليه أسقفاً , وأسكن بمسكنه فى دمروا ويصبح الكرسى تحت إمرك أيضاً " فإستصوب رأيه وأخذ أباه الراهب الذى إسمه يوحنا وكان وشيخاً طاعناً فى السن ورسمه أسقفاً وإستولى على ربح  الأسقفية والمسكن وسمع الأراخنة بمصر بما فعل فإشتكوه للوزير فقبض عليه وطرحه فى السجن وأفرج عنه عندما أخذ منه ثلاثة الآف دينار لبيت المال 

وقال إبن المقفع  (1)     : " أن سرور إبن جرجه أرشيدياكن الإسكندرية أنه حضر يوماً كنيسة مار مرقس الإنجيلى بالإسكندريه وكان البطرك مقيم فى دمروا فحضر هو أيضا لهذه الكنيسة ومعه جماعه من الأساقفه منهم أنبا مرقس أسقف البهنسى وأنبا ساويرس أسقف أبو صير وطلع البطرك إلى الهيكل ولما رفع الضورون ( الحمل ) سكت ولم ينطق بكلمه ولقنه الأسقفان الكلام فلم يقدر أن ينطق بكلمه واحده فجلس وطلع مكانه أنبا مرقس أسقف البهنسى فأكمل القداس وقرب الشعب من السرائر ثم خملوا البطرك إلى دار أبو مليح إبن قوطين عامل الخراج بالإسكندرية وهو والد إبو الفرج وعبيد وظل البطرك صامتاً حتى الساعة التاسعة من النهار ثم حضر الأطباء فاسقوه طين أبيض وماء ورد فأفاق من سكوته وسأله الأراخنه : " ماذا حدث ؟ " فحاول ألا يجيبهم ويعلمهم السبب ولما ألحوا عليه فقال يا أولادى : " لما رفعت الضورون ( الحمل ) وقبل أن أصلب عليه رأيت الشاق إنشق فى يدى وخرجت منه يد من رأس الحنيه إلى أسفل – فصلبت اليد على الضورون وسكت من هذا الوقت – وفلما قال هذا جف عضوه وبقى جاف إلى أن مات .

وإزدهرت فنون عديدة فى ذلك الوقت كالنسيج , والحفر على الخشب والعاج والمعادن المختلفة , ونحت المرمر والرخام كذلك شيدت الكنائس والأديره فى أنحاء البلاد بمصر (2) 

 أما المؤرخة أيريس حبيب المصرى (3) فقد قالت عن هذا البطريرك : " إذ أن الأنبا فيلوثيئوس الذى بدأ بالرضى على أعمال بنى مطيع إنتهى إلى مشاركتهم فى طمعهم ومكاسبهم وقنع بإقتناء الكماليات المريحة لجسمه دون أن يعبأ بما يعانيه بعض أبنائه من فقر وحاجه أو ما قد يواجهونه من مشاكل , ومثل ذا الإنذلاق أمر طبيعى : لأن من إعتاد أن يهادن الرزيله إنتهى به الأمر إلى إستحسانها  ومن دأب على السعى وراء الفضيلة إزداد تعلقاً بها وسعياً ورائها "

وقال أيضاً إبن المقفع عن البطرك الأب فيلاتاوس  (4): " كان الأب فيلاتاوس البطرك مستمر على جمع المال والأكل والشرب وقيل أنه أمر ببناء حمام فى داره وكان يدخلها فى كل يوم وإذا خرج من الحمام بخر البخور شديد ثم يجلس على الكرسى يأمر وينهى طول أربعة ساعات من النهار ثم يترك مجلسه فى سادس ساعة حيث يهئ له الخدم الطعام والشراب وما يحتاج إليه من فواكه ثم يدخل داره ثانية وفى النصف الثانى من النهار يحضر عنده قوم تعودوا الحضور عنده كل يوم يجالسونه وينادموه وهؤلاء الناس من أهل دمروا ومن أهله وأقاربه فيأكل معهم ويشرب , ولا يستطيع أن يدخل إليه أحد من بقية الشعب بقيه يومه حتى اليوم التالى وأيام اخرى كان يجلس ويأكل ويشرب من باكر أو ثالث ساعة فى النهار ما عدا الأيام الواجب الصوم فيها فلما إستمر على هذا الإسلوب فى حياته أدبه الرب بضربه لأمر ما وذلك أنه فى يوم من الأيام دخل إلى الحمام كعادته وتلميذه يخدمه فخرج تلميذه ليأخذ جردل يملأه بالماء وعاد فوجده مطروحاً على الأرض لا يعى ولا يفوق( أى دخل فى غيبوبه ) فحمله وأخرجه من الحمام وأحضروا له الأطباء وحاولوا مداواته فلم يقدروا على شفاءه لأن يد الرب ضربته وظل هكذا راقداً فى فراشه إلى يوم وفاته لا يعى شيئاً مما حوله " وهكذا كان بطرك القبط فى هذه الأيام . وفى حاشية ص 18 من كتاب الإمة القبطية (5) كتبت المؤرخة  : " إتفق كل من نييل ورنودوت المؤرخان على إلصاق بعض الذنوب بالبطريرك فيلوثاوس ولكن بفحص التهم بالتدقيق لم ير عليه شئ غير مقبول غير القول بأنه كان محباً للمآكل الفاخرة قليل الإعتناء بتقدم الكنيسة ويدخل الحمام مرتين فى اليوم . وأكد هذا الرأى القس المتنيح منسى يوحنا فقال (6) : " فقد ذكر التاريخ عنه أمور مذمومة فلم يكن يهتم بأى شئ غير نفسه وأرخى العنان للملاذ الجسدية ومحبة الأكل والشرب وإدخار المال ببيع مواهب الرب بدنانير فلم يكن أحد يرتقى إلى درجة

الأسقفية فى عهده إلا بعد دفع مبلغ عظيم من المال " 

وكانت مدة بطريركته أربعه وعشرين سنة وثمانية شهور وتنيح فى اليوم الثانى عشر من هاتور . سنة 716 ش 1004م

وإستولى أهل البطرك المتوفى على المال الذى جمعه طوال مده بطريركته من الكنيسة وقسموه فيما بينهم وكان المال لا يحصى ولا يعد وقد نقل إبن المقفع عن مخطوط كتبه إنسان إسمه ميخائيل (كاتب سيرته) فقال : " ورأيت أنا ميخائيل واحد من أهل البطرك ( الذين إستولوا على مال الكنيسة ) فى زمان غلاء وهو يتسول " .

 ----------------------------------------------------------------------------------------------

(1) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 الجزء الثانى ص 96- 97 – وذكرها أبو المكارم فى مخطوطه راجع تاريخ ابوالمكارم تاريخ الكنائس والأديره فىالقرن 12 بالوجه البحرى طبع سنه 1999 ج1ص 133

(2) مختصر تاريخ مصر ( اللغة الفرنسية) الجزء الثانى المبحث جاستون فييت ص 181 وهناك خريطة مصنوعة من الحرير ومرسومة بالذهب والآلوان راجع تاريخ مصر فى العصور الوسطى 0 بالإنجليزية ) – ستانلى لين بول  ص 11

(3) قصة الكنيسة القبطية – وهى تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية التى أسسها مار مرقس البشير – بقلم المتنيحة أيريس حبيب المصرى- الطبعة السابعة 2000 – الكتابالثالث ص 35

(4) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999  الجزء الثانى ص 95  

(5) كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900  الجزء الثانى ص 18

(6) تاريخ الكنيسه القبطيه للمتنيح القس منسى 1899- 1930م  طبع على مطابع شركة تريكرومى للطباعة – مكتبة المحبة – سنة 1983   ص 378

=====================================================================================

الفصل السادس : حياة الحرية الدينية والسلام الإجتماعى فى زمن خلافة العزيز

 

إبتدأت حركة التجارة تنشط فى أيام الخليفة العزيز وزاد نشاط العمل والحركة فى البلاد وزادت الزراعة واعمال الصناعة والحرف فدخل الرخاء إلى المصريين جميعاً ودفع الجميع الجزية والخراج بسهوله ورضى , وبنى الأغنياء قصوراً فخمة وشجعوا الفنون بجميع أنواعها وإستمتعوا بما فى الحياة من جمال ولما كان القبط ذوى نزعة دينية روحانية فقد هيأت لهم الفرصة أن يرضوا نزعتهم ببناء الكنائس العديدة وتجميلها وتجديد الأديرة وترميمها وزخرفتها , وأوقفوا العقارات والأراضى الزراعية عن سعه , وأحاطوا كنائسهم وأديرتهم بالحدائق الغناء فكان الخلفاء يستمتعون بجمال هذه الحدائق إذ كانوا يقضون فيها أيام من الراحة والإستجمام .

ولم يكن كل طبقة الحكام يتمتعون بهذه الحدائق ولكن تغنى بها الشعراء المسلمون فى هذه الأيام وتمتعوا بالأيام الهنيئة بين الطبيعة والهدوء فى تلك الحدائق وأبرز هؤلاء الشعراء الشايشتى أمين المكتبة الملكية التى أنشأها الخليفة العزيز أبو بكر محمد الخالدى ,أبو عثمان سعد الخالدى , أبو الفرج ألأصفهانى إبراهيم بن القاسم الكاتب الملقب بالرشيق الذى قال يتشوق إلى مصر (1) :

هل الريح أن سارت مشرقة تسرى                  تؤدى تــــحياتى إلى ســاكنى مصر

فما  خطرت  إلا  بكيت  صـــبابـــة                  وحملتها ما ضاق عن حمله صدرى

لأنـــــى إذا هـبت قبولاً بـــنشـرهم                   شممت نسيم المسك من ذلك النشر

فــــــكم لى بالأهـــرام أو دير نهية                  مــصايد  غــزلان  الـــمطايد  والقفر

 وفى بــئــر دوس مستراد وملعب                  إلى ديـــــر مــاحـنـا إلى ساحل البحر

  وكانت أجمل الأيام التى قضاها هؤلاء الشعراء فى الديرة هى الأيام التى كانت يحتفل فيها الناس بأعياد ذكرى الشهداء والقديسين (2) ولم يفت الوزير اليهودى

الذى إعتنق الإسلام أن يعبر عن سخطه وحقده من المسيحية فى أبيات شعرية ساخرة قال فيها :

أن من يبتغى الربح فاليعتنق المسيحية        فهى دين الحق ودين المغانم معاً

ولم تكن السخرية تنال من نفس الخليفة العزيز بالله فقد ترك لها فى نفسه مكانا فى عصرالخليفة العزيز بالله سرت بين رعاع المسلمين موجه من الحنق والحقد عندما رأوا من القبط وزراء يحوزون رضى الخليفة فى أمانتهم وخدمتهم  فكانت الأزجال والأقاويل الساخرة تتردد من فم لفم إلى حد أن بعض الشعراء كانوا يزجون بكتاباتهم فى يده وهو سائر فى الطريق , ومع أن العزيز ظل على تسامحه رغم كل هذه الأقاويل فقد حدث ان نفس هذا الوزير جاءه يشتكى بأن شخصاً ما كتب بعض الأبيات فيها تعريض بهما أجابه العزيز : " إن نصف الإهانة خاص بنا فإشترك معنا فى نصف المسامحة"(3)إلا أنه حاول تهدئة الخواطر بالمسالمة أولاً ولكنه إضطر فى نهاية الأمر إلى إستعمال الحزم لإقرار السكينة(4)

وكان جماهير الشعب يتقاطر إلى الكنائس والأديرة فى المواسم والأعياد المسيحية فيمضون نهارهم بين الصلاة ثم الإستراحة تحت ظلال الأشجار الوارفة , ويصغون فى المساء إلى سيرة الشهيد أو القديس يرتلها الكهنة والرهبان , وكانت هذه السيرة تنتهى عادة بموكب غاية فى الروعة (5)

وكان للخليفة العزيز بالله طبيب قبطى إسمه ابو الفتح بن مقشر وبلغت الثقة والعلاقة الطيبة بينهما حداً بعيدأ جداً وقد حدث أن طبيبه مرض مرضاً كاد يفتك به وحينما تماثل الطبيب للشفاء بعث إليه الخليفة برسالة غايه فى الرقة , وقد إمتد العمر بإبن المقشر فإستمر يمارس مهنته كطبيب للخليفة حتى على الحاكم بأمر الله أيضاً (6).

وأصبح ينتج نوع من أنواع النسيج باهظ الثمن وهو المعروف بالديبقى ( نسبة إلى بلدة ديبق وهى قرية من قرى دمياط ) والديبقى نسيج من الحرير الملون فيه رقمات منسوجة من الذهب الخالص حتى كان الذهب فى القطعة الواحدة يبلغ ثمنه خمسمائة دينار عدا الحرير والغزل (5) .

 قلاقل فى الحبشة

 أرسل ملك الحبشة كتاباً إلى جرجس ملك النوبه وعرفه أن الرب غضب عليه وعلى شعبه فى اثيوبيا وأخبره فيه أن إمرأه ملكة على قبيله فى منطقه بنى الهموية ثارت عليه وهاجمت بجيشها المناطق الخاضعه لحكمه وأسرت كثير من شعبه وأحرقت مدن كثيره وأخربت الكنائس وهرب منها وطاردته من مكان إلى آخر وقالت أ.ب. بوتشر (8) : " كانت الحبشة مسرحاً للحروب الدموية لأن إمرأتين إختلستا عرش الملك بالتتابع وامرتا بقتل جميع ذرية الأشراف (ذرية الملك الذين لهم الحق فى أن يطالبوا بالعرش ) ولكن نجا واحداً منهم فلما بلغ سن الرشد شرع فى إستخلاص عرش أسلافة من أيدى المغتصبين " وقال ملك الحبشة فى رسالته أنه يعتقد أن الذى لحقه من أذى ناتج من أن الملك الذى كان من قبله قد فعل فى أيام الأنبا قزما تزوير وكذب , كما ذكر فى رسالته إلى جرجس ملك النوبه : أحب أن تساعدنى وتشاركنى فى التعب من أجل الرب ومن أجل وحده الأمانه وتكتب كتاب من جهتك إلى الأب البطريرك فى مصر تسأله أن يحللنا ويحالل بلادنا ويصلى علينا ليخلص بلادنا من هذا الشقاء وعدم الإستقرار والغم – كما ينعم علينا بأن يقسم ( يرسم) لنا مطران كما جرت عاده آبائنا – ويصلى إلى الرب حتى يزيل غضبه عنا – وذكرت لك أيها الأخ ذلك خوفا من أن ينقرض ويبطل دين النصرانية من عندنا فمنذ سته بطاركه قد جلسوا على كرسى مار مرقس ولم يلتفتوا إلى بلادنا بل هى شردت بلا راعى وماتوا أساقفتنا وكهنتنا وخربت الكنائس , والآن قد علمنا أنه بحق أنزل الرب علينا هذه البلايا لما فعلناه بالمطران " .

ووصلت الكتب والرسائل إلى ملك النوبه وقرأها وأرسل ملك النوبه بالتالى كتباً ورسائل إلى البطرك فيلاتاوس موضحا فيها ما قاله ملك النوبة وطلب منه أن يترأف على شعبه فأجابه لطلبه ورسم راهباً لهم من دير أبو مقار إسمه دانيال وأرسله إليهم مطراناً فقبلوه بفرح عظيم وإبتهاج وأزال الرب عنهم الغضب كما أبطل ثوره المرأه التى قامت لتحاربهم .

وقصه إنقطاع إرسال مطارنه إلى الحبشة ترجع إلى أن ملكها عهد إلى المطران الأنبا بطرس مطران أثيوبيا القبطى الإشراف على المملكة ويقيم ولداً يختاره من ولديه ولما توفى الملك إختار المطران ولده الشاب الأصغر وتوجه ملكاً إذ كان أوفر حكمه وأوسع عقلاً من أخيه الأكبر فلما جلس الأصغر على العرش سخط أخوه على المطران وجمع حوله رعاع الشعب وجعل نفسه ملكاً

 عليهم , وفى هذه الأثناء كان إثنين من أقباط مصر أحدهما إسمه مينا والآخر بقطر ذهبا إلى المطران طالبين نقوداً فرفض أن يعطيهما شئ فسخطا عليه وزورا ختم البطريرك قسما الثالث وحررا رسائل بإسمه إلى كبار رجال الدوله فى أثيوبيا مضمونها عدم موافقة على ما فعله الأنبا بطرس بخصوص العرش وتقليد الأبن الأصغر الملك ويأمر بطرده مع الأبن المالك من أرجاء المملكة وبتسليم كرسى المطران لمينا وعندما يجلس على كرسى المطرانية يقوم بمسح الأبن الأكبر ملكاً , ولما تسلم قادة الدوله الأثيوبيه لم يشكوا فى مصدرها فقاموا بنفى كلاً من المطران والملك وإعتبروا مينا مطراناً وبقطر وكيلاً له وسلموا الملك للأبن الأكبر , ولم تمض مده حتى إختلف كلاً من مطران الزور ووكيله وعندما سافر هذا المطران إلى جهه ما إنتهز وكيله الذى يعرف كل أسراره فرصه غيابه ونهب اموال قلايته بعد أن طرد خدامه ورجع بهذه الأموال الطائلة إلى مصر وحتى لا يقبض عليه المسلمين حينما تتسرب الأخبار بما فعله فى الحبشة أشهر إسلامه وأذاع هو بنفسه ماذا فعل فى الحبشة , فلما تحقق البطرك من هذه الأخبار أرسل وفداً بيده رساله إلى الحبشة يأمر أهلها بطرد المزور وإرجاع الأنبا بطرس إلى كرسيه فلما وصل الوفد لإبلاغ الرساله لأهل اثيوبيا وجدوا أن الأنبا بطرس مطرانها قد توفى إلا أن أهل الحبشة قد طردوا المطران المزور , وبعد هذه الأحداث المؤلمة لم يجسر البطرك الأنبا قزما على رسامة مطران آخر لأثيوبيا وإقتفى أثره أربعة بطاركة وهم مكاريوس الأول  وطومانيوس ومينا الثانى وأفرايم (1)

 

الفصل السادس :  مشاهير وعظماء الأقباط

 

1- أبو المكارم

 

هو سعد الله بن جرجس بن مسعود كان من أفاضل القبط ومؤرخيهم وضع سنة 925 كتاباً فى تاريخ ألديرة والكنائس القبطية عثر على جزء منه راهب كاثوليكى يدعى فانسليب أتى مصر فى القرن السابع الميلادى وإشتراه بـ 3 قروش وطبع بعد موته وينسب خطأ إلى أبى صالح الأرمنى لأن هذا الإسم وجد مكتوباً عليه وقد ظهر أنه الناسخ لهذا الكتاب أو مقتنيه ووجد المرحوم العلامه الإيغومانس فيلوثاؤس عوض رئيس الكنيسة المرقسية بالقاهرة لقيمة هذا الكتاب وأدرك ذلك أيضاً البحاثة جرجس أفندى فيلوثوس عوض

 

 

2- الأنبا ساويرس أسقف الأشمونين

الشهير بإبن المقفع

 

الأشمونين كانت مدينة زاهرة ومشهورة عند القبط القدماء , وكان يعبد فيها أنوبيس وهرمس وغيرهما , وظلت شهرتها ممتدة إلى العصر المسيحى وكانت بها إلى زمن قريب تماثيل قديمة وكنائس كثيرة لأنها كانت مركز لأسقفية ومن أشهر أساقفتها الأسقف ساويرس إبن المقفع .

وكان الأنبا ساويرس إبن المقفع عالماً فاضلاً وهو أول من إعتنى بجمع تاريخ البطاركة السالفين وقد جمعه من السجلات والمخطوطات المكتوبة باللغات : القبطية واليونانية والعربية وقد كان يجيد هاتين اللغتين كما كان يجيد اللغة اليونانية أيضاً وكانت هذه المخطوطات محفوظه فى دير ابى مقار ودير نهيا ونقل كل ما فيهما إلى اللغة العربية مظهراً أسفه لأنصراف الأقباط وإهمالهما للغة أجدادهما القبطية (9) وقد أعطاه الرب عمراً مديداً حتى أتم ما ترجمه وجمعه من مما كتبه كتبه كل بطريرك فقد إعتاد البطاركه أن يرافقهم ليسجلوا الأحداث وعندما أتمه كان قد بلغ من العمر التسعين –

وقد أضاف أسقف تانيس (10) الأنبا ميخائيل على هذا الكتاب من تاريخ البطاركه وقد كتب سيرة عشرة من باباوات الإسكندرية مبتدئاً بالأنبا ميخائيل الثالث (لأنه كان كاتباً  للبابا الإسكندرى الـ 56 ) حتى أوصله لغاية سنة 1243 م  - وإنتشر هذا الكتاب فى مصر ونظراً لأهميته فقد ترجم إلى لغات أخرى وطبع باللغة اللاتينية والإنجليزية (11) .

وقد قال الأنبا ساويرس إبن المقفع فى مقدمة كتابه عن باباوات الإسكندرية : " بعد دراسة المؤلفات التى وضعت عن باباوات الإسكندرية المتداملة بين الأيدى والمحفوظة فى أديرة الأنبا مكارى ونهيا وغيرهما , هيأت لى العناية الإلهية الفرصة لأن أجمعها كلها فى كتاب واحد , وقد شاء الآب السماوى أن يمد فى عمرى حتى بلغت التسعين فإستطعت بهذه النعمة أن أتمم وضع هذا الكتاب "

وللأنبا ساويرس العديد من المؤلفات تدل على تبحرة وتمكنه من العلم والمعرفة وضعها باللغة العربية كما ترجم الكثير من المؤلفات القبطية واليونانية لفائدة أبناء الأمة القبطية ولا سيما سكان القاهرة والفسطاط من الذين هجروا بالكلية اللغة القبطية وتعلموا العربية وتبحروا فيها بسبب إشتغالهم بالدواوين وقد ذكر كتاب الخريدة النفيسة إثنا عشر مؤلفاً لهذا الحبر العلامة الجليل جميعها باللغة العربية (12) إلا أن الأسقف ميخائيل أسقف تنيس قف أنه وضع عشرين كتاباً أما إبن كبر فقد فقال أن كتبه بلغت سته وعشرين كتاباً أما المستشرق الألمانى جراف فقد قارن بين ما ذكره هذان الكاتبان مع ما قاله غيرهما عن عدد مؤلفات إبن المقفع وإستنتج أن عدد كبير من مؤلفاته إما أن يكون قد ضاع أو ما زال مخبئ لدى أحداً من الأقباط

ونظرة واحدة على مجرد أسماء كتبه التى كتبها والتى وصل إلينا بعضها تظهر أن هذا الأسقف قد بلغ ما لم يبلغه أحد فى عصره من قوة الحجه المؤيده بالبرهان القاطع والأسانيد القوية ويستدل من ذلك على إقتناع كل من يطلع عليها وكان واسع الأفق مطلع توضح لنا ما بلغه هذا العلامة من سعة التفكير ويستدل من ذلك من تنوع موضوعاته التى كتب فيها وهى :-

(1) التوحيد              (2) نظم الجوهر                (3) المجالس

(4) المجامع             (5) الإتحاد الباهر رد به على اليهود

(6) الشرح والتفصيل رد به على النساطرة           

___________________________________

(7) مبادئ الدين كتبه للوزير قزمان بن مينا

             (8) تفسير دستور الإيمان

(9) كتاب فند به مزاعم سعيد بن بطريق بطريرك الملكيين

(10) الإيضاح – يظهر نقط تؤيد مزاعم  الباباويين لهذا يشك أنه مؤلفه

(11) كتاب التبليغ وفيه فند مزاعم اليهود

(12) كتاب فى تربية أولاد المؤمنين وأولاد غير المؤمنين

(13) كتاب مصباح النفس فى التعاليم الروحية

(14) كتاب الأقوال النفيسة

(15) كتاب الإستبصار

(16)  كتاب ترتيب الكهنوت الإثنى عشر طقوس الكنيسة

(17) تفسير الأناجيل الربعة

(18) كتاب رد به على كتاب يدعى بشر بن جارود وقد وضعه فى شكل سؤال وجواب

(19) شرح اصول الدين وترتيب الخدمة للبخور ورسم الصليب ونسب السيدة العذراء

(20) المثالات والرموز

(21) التعاليم فى الإعتراف والذنوب

(22) إيضاح الإتحاد – لشرح عقيدة الكنيسة القبطية فى التوحيد والتثليث

 

ولما كان هذا العلامة قد قدم إنتاجاً وافراً من المؤلفات القيمة كما قدم إنتاجاً فكرياً ضخماً فيليق بالأقباط أن ينشروه على أبناء أمتهم لكى يعرفوا ما هى الموضوعات التى شغلت عقول المفكرين من أبناء وادى النيل العتيق منذ حوالى عشرة قرون ولا تزال هذه الموضوعات حتى الآن موضع بحث وتنقيب كالموضوع الذى عالجه ساويرس إبن المقفع عن طب الغم المحفوظ الآن فى دير السريان وهو يبحث فى الآلام النفسية وطرق علاجها – ويتوهم الكثير من علماء النفس أن هذه الأمراض النفسية من أمراض العصر الحديث وأنهم أول من بحثوا فيها . أما المقالات التى كتب فيها فهى : -

(1)         دهن المسيح بالطيب بيد مريم الخاطية فى بيت سمعان الأبرص الفريسى ومريم أخت لعازر .

(2)         تعليق على قول السيد المسيح " السماء والأرض تزولان ولكن كلامى لا يزول " ( متى 24: 35) خطٌه إسحق بن فضل الله .

(3)         مخطوطة محفوظة فى المكتبة الأهلية بباريس رقم 49 منسوبة إلى الأنبا ساويرس إبن المقفع عنوانها " تنبية للكهنة " لم تنشر بعد وبالتالى لا يعرف أحد محتوياتها وما تتضمنه

--------------------------------------------------------------------------------------

(1) الخطط للمقريزى ج1 ص 370

(2) راجع مقال د/ سوريال عطية نشره بالإنجليزية فى جمعية الآثار القبطية عام 939 ص 1- 28 وعنوانه : " بعض الأديرة المصرية نقلاً عن مخطوط الشايشتى لم ينشر بعد وهو كتاب الديارات "

(3) تاريخ الأمة القبطية ص 188- 194

(4) تاريخ مصر فى العصور الوسطى ( بالإنجليزية ) لستانلى لاين بول ص 12 – وراجع أيضاً " تاريخ الكنائس الشرقية" بالإنجليزية لعزيز سوريال عطية ص 88

(5) راجع تاريخ الأمة القبطية ليعقوب نخلة روفيلة ص 108 – 109 ولا تزال هذه العادة سائدة للآن إذ تتقاطر الجموع على الكنائس والأديرة فى أيام الذكرى الخاصة بالقديسين والقديسات ولا يعرف روعة هذه الزيارات المباركة إلا من أسعدته العناية الإلهية يتأديتها بنفسه .

(6) تراث القاهرة العلمى والفنى فى العصر افسلامى لعبد الرحمن زكى ص 22

(7) الخطط للمقريزى ج1 ص 226

(8) كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900  ج3 ص 22

(9) تاريخ الكنيسه القبطيه للمتنيح القس منسى 1899- 1930م  طبع على مطابع شركة تريكرومى للطباعة – مكتبة المحبة – سنة 1983   ص 397-380

(10) تانيس أو تنيس هو مدينة صان الحجر مديرية أو محافظة الشرقية – وهى بالقرب من بحيرة المنزلة فى الشمال الغربى للصالحية وذكرت هذه المدينة فى التوراه بإسم صوعن ( عدد 13: 22) ويقال أن موسى صنع بها العجائب وفى التاريخ الكنسى كانت تنيس أسقفية من عهد الأنبا بطرس خاتم الشهداء ( البابا الإسكندرى الـ 17 سنة 285 – سنة 295م ) 

(11) قصة الكنيسة القبطية – وهى تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية التى أسسها مار مرقس البشير – بقلم المتنيحة أيريس حبيب المصرى- الطبعة السابعة 2000 – الكتاب الثانى 444- 449

(12) الخريده النفيسه  فى تاريخ الكنيسه للأسقف الأنبا إيسوزورس طبع القاهره 1923 الجزء الثانى ص 236- 237

============================================================================================

.

 

Home | من هم الفاطميون | الخليفة المعز | الحاكم بأمر الله | الخليفة الظاهر | أعترافات الآباء

This site was last updated 02/07/04