Make your own free website on Tripod.com

 

 

                                     تنبيه هام : نظراً لكبر حجم الكتاب الأول فقد وضع قى جزئين ومع هذا فقد ظل كل جزء كبيراً لهذا أوجه نظر القراء أن يتحلوا بالصبر عدة دقائق حتى يتم تحميل الجزء 30/1 /04

    لم نتهى من وضع كل الأبحاث عن هذا الموضوع والمواضيع الأخرى لهذا نرجوا من السادة القراء زيارة موقعنا من حين لآخر

Home
من هم الفاطميون
الخليفة المعز
الحاكم بأمر الله
الخليفة الظاهر
أعترافات الآباء

 

 

 

يكتاتوريه الحكم الدينى الإسلامى والأقباط
الحاكم بأمر الله ( الفاطمى )
386 – 411هجريه 996- 1020م
 

لفصل الأول : مراهقا يصبح خليفه ( الوزعه يصير تنينا )
الفصل الثانى : هل الخليفة الحاكم بأمر الله .. مجنون .. أم أنه إدعى الجنون .. أم أنه إدعى النبوه ؟

الفصل الثالث : الخليفة المسلم الحاكم بأمر الله يأمر : بهدم كنيسة القيامة وجميع الكنائس المسيحية فى بلاد خلافته

الفصل االرابع : الضرب فى الميت حرام

الفصل  الخامس : البطريرك الأنبا زخارياس لبابا رقم 64

الفصل السادس : كيف تحايل الأقباط على أوامر الحاكم وإستمروا فى عبادتهم للرب ؟

الفصل السابع : رغام البطاركة الأقباط بعدم الإدلال بمعلومات عن حقيقة إضطهاد المسلمين للشعب المسيحى فى مصر

الفصل االثامن : إختفاء الحاكم

 

 

الفصل الأول : مراهقا يصبح خليفه ( الوزعه يصير تنينا )
 

كان الخليفه الفاطمى العزيز بالله يستعد لإستئناف القتال ضد البيزنطيين فى مدينه بلبيس حتى توفى وهو فى الحمام – فخلفه الولد الوحيد الذى انجبه من زوجته المسيحيه اليونانيه الأصل ( التابعه للطائفه الملكيه أى ليست قبطية ) وحسب الشريعه الإسلاميه فإنه إذا كان المولود ذكرا فإنه يتبع أباه فى دينه الإسلامى أما إذا كانت بنتا فتتبع أمها – وهكذا تربى إبن الخليفة وكان إسمه المنصور تربيه إسلاميه شيعية بحته 00ووجد نفسه فى لحظه خليفه وهو يبلغ من العمر 11 سنه , ولقب عند إعتلائه عرش الخلافه بإسم 00الحاكم بأمر الله وسمى أيضاً الإمام المنصور .
ولما كان إبن العزيز قاصرا قام بالوصايه عليه وزيره برجوان تنفيذا لوصيه أبيه وكان برجوان عبدا خصيا سلاقونيا (1) تربى فى قصر العزيز وكان ماهرا فى القيام بالأعمال الموكله إليه فإكتسب ثقه الخليفه وظل يترقى فى المناصب حتى وصل إلى منصب الوزاره ثم أصبح وصيا على إبنه القاصر بناء على وصيه الخليفه قبل موته إلا أنه كان هناك صراع على السلطه بين الوصى برجوان وبين قائد جيش الخليفه إبن عمار فعمت الفوضى البلاد لشده هذه الخلافات 0
وكان إبن عمار( أبو محمد الحسن بن عمار ) قائد جيش الخليفه وزعيم الكتامين الذين يعتبرون عصب الخلافه الفاطميه 00وكان الكتاميين تظلموا وتقدموا بطلب بعزل عيسى بن نسطور من الوزاره وإنتهى الأمر بتولى إبن عمار شئون إداره الدوله , ولكن لمكانه إبن نسطور لدى الخليفه أسند إليه رئاسه ديوانه الخاص , ولكنه لم يتمتع بهذا المنصب مده طويله , فقد كان هدفا لدسائس
ابى عمار الذى إتهمه بالإختلاس فقبض عليه وقتله (2) ولم يلبث إبن عمار أن قتل أيضا بعد أن هزمت القوات التركيه قواته المكونه من قبائل شمال أفرقيا المغاربه0
أما الحاكم بامر الله عندما وصل سنه 15سنه وهو سن الخلافه فى الشريعة الإسلامية ويقول إبن القلانسى (
3): " ولم يكن هناك ما ينذر بوقوع أحداث دموية مفجعة التى أخضبت عهده بالدماء , وأدخلت الذعر فى نفوس النصارى والمسلمين على السواء , والواقع أنه حينما بلغ سن الرشد , سارع إلى إطمئنان كل الموظفين النصارى على مراكزهم وإهتدى بنصائح أخته " ست الملك " التى كانت تعطف على النصارى عطفاً شديداً "
قال عنه إبن المقفع (
4) أنه نمى وكبر وصار كالأسد يزأر ويطلب فريسه وأصبح محب لسفك الدماء وفاق الأسد الضارى , وقد أحصى من قتل بأوامره فكانوا 18ألفا إنسان وإبتدأ من أكابر وأعيان الدوله وكتبته وقطع أيادى كثير من الناس وأول من قتل هو أستاذه برجوان الذى رباه وسبب غدره على معلمه أنه كان يسميه فى صغره ( الوزغه ) الوزغه هى السحليه وقال الأنبا يوساب أنه سماه الوزعة لأنه كان دميم الخلقة (5) فأرسل فى طلب معلمه قائلا : " الوزغه الصغيره قد صار تنينا عظيما وهو يدعوك " فقام برجوان وذهب إليه وهو يرتعد وعندما حضر إليه أمر بقطع رأسه , وكان ذلك فى عام 390هجريه 1000م ويقول جاك تاجر فى تعليقه على هذه الوحشية : " ولما أمر الخليفة الشاب بقتل برجوان الوصى , أقلق الشعب وأضجره وحمله علىالتوجه إلى مقر الخلافة , " والقايد فضل كان هذا بمثابه إستلامه الحكم الفعلى للبلاد بإزاحه كليهما عن طريقه لما كان لهما من نفوذ ولكن هذه الأحداث أقلقت الشعب لمدى القسوه التى إتبعها فى تنفيذ مخططه فثاروا وتوجهوا الى مقر الخلافه , إلا أنه كان ذكيا فإحتوى غضبهم وقام بتهدئتهم وأقام الحجج والأسانيد الباطله قائلا : " أن برجوان كان يسعى للإستئثار بالسلطه ويمنعه من الإتصال برجال دولته فلم أستطع كخليفة أن أقوم بالحكم الفعلى وأننى أفتقر الى الحكمه بسبب شبابى وصغر سنى وعدم درايتى بإسلوب الحكم " وبكى وناح نادما على ما فعله فرأف الشعب لحاله وتمكن من الإفلات من ثوره الشعب وغضبه ولكنه أضمر الشر فى قلبه صابرا للإنتقام من الشعب فى وقت آخر 0
كان هناك أميرا يسمى القايد فضل وكان بينه وبين برجوان علاقه جيده فدخل يوما القصر كعادته , فرأى الحاكم بأمر الله جالسا وبين يديه صبى جميل الصوره مذبوح وفى يد الحاكم سكينا مخضبه بالدماء ذبحه بها وعلم فيما بعد أنه إشتراه بمائه دينار , وفى يده الأخرى كبده ومصارينه وهو يقطعهم فخرج وهو خائف ومرتعد الى منزله وحكى ما رآه لأهله وكتب وصيته وبعد ساعه جائه سياف الحاكم وقطع رأسه 0(
6) وكان من عادته أنه إذا أراد قتل إنسان ينعم عليه بالمال ويكرمه ثم يرسل من يقطع رقبته ويأتيه بها بدأ بقواد جيشة ثم بخواصه ثم الأراخنه والكتاب الأقباط

الحاكم بأمر الله والوزير القبطى
وكان لبرجوان مساعدا كاتبا قبطيا إسمه فهد ابن إبراهيم عرفه الحاكم من كثره تردده على القصر يحمل الرسائل إلى الخليفه والأوامر منه , ومن الظاهر انه كان ذو شأن كبير غنيا ومن أعيان القبط وكبرائهم إذ قال عنه المقريزى (
7) " لأنه فى غطاس سنه 288هجريه ضربت المضارب والأسره فى عده مواضع على شاطئ النيل , ونصبت أسره للرئيس فهد بن إبراهيم النصرانى كاتب الأستاذ برجوان , وأوقدت له الشموع والمشاعل وحضر المغنون والملهون , وجلس مع أهله الى أن كان وقت الغطاس فغطس وإنصرف "
وكان الحاكم محتاجا لرجل يحل محل برجوان الذى قتله ليدير الحكومه ففكر فى فهد القبطى , الذى رأى رأس برجوان تدحرج علىالأرض أمامه فإمتلأ فزعا وإصفر وجهه من هول المفاجأه , وبخبث ودهاء شديدين أنعم عليه العطايا والهبات وهدئ من روعه , وخلع عليه لقب " الرئيس أبى العلاء "
ولما كان فهد لايطمع فى شئ من دنياه فعمل جاهدا ليرضى الله وأولياء الأمر فى عمله فترقى فى المناصب العليا حتى وصل إلى أن يكون كاتم سر الخليفه وفى ذات يوم دخل إلى الخليفه وكان الخليفه قد قرر إسناد منصب الوزاره إليه ويقص علينا إبن القلانسى (
8) الحديث الذى دار فى قصر الخليفه وإنتهى بإعتلاء القبطى فهد أعلى سلطه فى مصر فقال : " جلس الحاكم وقت العشاء الأخير وإستدعى الحسين بن جوهر وأبى العلاء بن فهد بن إبراهيم الوزير , وتقدم إليه بإحضار سائر كتاب
الدواوين والأعمال , ففعل , وحضروا وأوصلهم إليه 00فقال لهم الحاكم : " إن هذا فهدا , كان بالأمس كاتب برجوان عبدى , وهو اليوم وزيرى فإسمعوا له وأطيعوا , ووفوه شروطه فى التقدم عليكم , وتوفروا على مراعاه الأعمال وحراسه الأموال0 " وقبل فهد الأرض وقبلوها , وقالوا : " السمع والطاعه لمولانا0" ثم إلتفت إلى فهد وقال " أنا حامد لك وراض عنك وهؤلاء الكتاب خدمى , فإعرف حقوقهم وأجمل معاملتهم وإحفظ حرمتهم وزد فى واجب من يستحق الزياده بكفايته وأمانته (
9)0"
وكان الرجل القبطى فهد عظيما فى تقواه محبا لآخرته أكثر من دنياه مساعدا للفقير مساندا لليتامى والأرامل فكان يعترض طريقه كل من له حاجه فكان يجيبه إلى سؤاله ويفرح قلبه بمساعدته , وكان مجيبا لكل طارق لبيته , وكان من عادته انه عندما كان يجتاز راكبا ركوبته فى طريقه الى عمله وقيل انه نسى فيلقاه من يطلب منه صدقه فكان يمد يده اليمنى إلى كمه حيث كان يضع نقودا لهم وما وضع مالا فى كمه وظن ان ليس فيه شيئا ولكن عندما وضعها وجد ما يدفعه للسائل 0ويقول ابو المكارم فى مخطوطه (
10): " أن الشيخ الرئيس ابى العلاء فهد ابن ابراهيم فى الخلافة الحاكمية أنشأ كنيسة الشهيد مرقوريوس فى دير الخندق وكان فهد ينظر فى أمر المملكة شريكاً لقائد القواد الحسين بن جوهر وتحت الأسكنا القبلى الشيخ فهد ومن يخصة "
وبدأ الشر يحيك الدسائس والمؤامرات فأرسل جنوده الحاسدون عندما بدأت شهرته فى فعل الخير للمسلمين والمسيحين على السواء, وخشى الحاسدون إزدياد نفوذ النصارى فى البلاد , فلا ولايه لذمى على مسلم , فأوعزوا على الوشايه به عند مولاه ليضعفوا ثقته به , فكانت التهمه القديمه التى إستعملها ابو عمار هى خطتهم , فإتهمه إثنين من الحاقدين عليه هما أبو طاهر وإبن العداس بإختلاس الأموال , ولم يحسن الحاكم إستقبالهم كما انه لم يستمع إلى وشايتهما إلا أنهم إستمرا على خطتهما الدنيئه وحرضا آخرين على تقديم شكاوى مماثله وكان الحاكم يفهم مغزى هذه الشكاوى المقدمه إليه , فإستغلها للضغط على عامله الأمين القبطى فهد ومساومته بطريقه خبيثه فأرسل إليه فمثل بين يديه وقال له : " أنت تعلم أننى قد إصطفيتك وقدمتك على كل من فى دولتى فإسمع منى وكن معى فى دينى فأرفعك أكثر مما أنت فيه وتكون لى مثل أخ 0" فإذا كان فهد سارقا فلماذا إذا ساومه ؟ وأراد الحاكم أن يستغل الشكاوى ويحوله عن ديانته فرفض القبطى فهد وزاره الملك الأرضى وفضل عار المسيح أعظم من كنوز مصر فكان كموسى النبى الذى ترك قصر فرعون , فأمر الخليفهبقطع رقبه فهد القبطى , وحرق جسده

وأمر بإيقاد النار تحت جسده ثلاثه ايام بلياليها فإحترق جسده ما عدا يده اليمنى التى كان يمدها ممسكه بالنقود معطيه صدقه ومما يذكره الرواه أن فهد أراد مره أن يعطى صدقه لسائلا وكان يضع يده فى كمه ليخرج النقود كعاده أهل ذلك الزمان وكان قد نسى فى هذااليوم أن يضع النقود ولكنه وجد مالاً فأعطاه للفقير0 فإعتبر أن السيد المسيح هو المعطى لكل البركات و لمعرفه اين دفن الرئيس أبو العلا فهد يقول أبو المكارم فى مخطوطه (11) : " أنه كانت هناك حاره من حوارى القاهرة يطلق عليها إسم حارة برجوان الخادم الأسود (12) وكان برجوان هذا استاذاً للحاكم بأمر الله وكان ينظر فى امور المملكة وكاتبة الرئيس أبو العلا فهد ابن إبراهيم النصرانى فى الخلافة الحاكمية أمر الحاكم بقتل برجوان والرئيس أبو العلا وأحرقه بالنار وقبره وذويه تحت كنيسة أبو مرقورة بدير الخندق فى طوفس (13) " وقد أخذ الأروام هذه الكنيسة للصلاة فيها بعد أن أمر أمير الجيوش بدر الدين الجمالى الأقباط بإعطائها لهم وبها جسد هذا الشهيد .
بركه صلوات هذا القديس تكون معنا آمين
شخصيه الحاكم بأمر الله العجيبه
من الواضح أن الحاكم كان يعى ما يفعله بدليل أنه لم يحسن إستقبال الواشيين فى حق فهد كاتبة فى بدايه الأمر , فقد كان يفهم تماما المغزى من هذه الوشايه وأفهم حاشيته أنه أصدر أمره تحت ضغط شديد , ولكن هل يمكن القول أن الحاكم قد صدق فعلا أنه حاكما بأمر الله ؟ 00 هل أوحى له إسمه الذى أطلق عليه بأن يكون إسما على مسمى ؟00هل كان يختبر رعيته فى إطاعه أوامره طاعه مطلقه ؟ هل إستهوته هذه الفكره وسيطرت عليه – لماذا هبط بتصرفاته إلى دروب التطرف والتناقض والهوس ؟0هل أصيب بجنون العظمه والخيلاء ؟
ولعل التاريخ الإسلامى لم يعرف شخصية يحيط بها الخفاء كتلك الشخصية العجيبة التى تثير من حولها الدهشة والروع فى كل تصرفاتها الخاصة والعامة والتى لا زمها الخفاء لا فى الحياة الدنيا وحدها ولكن فى الحياة الآخرة أيضاً حيث تغادر العالم فى ظروف كالأساطير , وتبقى هذه الظروف
لغزاً على التاريخ حتى يومنا هذا 0(
14) وقال كاتب آخر عنه (15): " لقد نشأ مطلق الأمر فى آراءه وتصوراته وتعلم علوم الشيعة فغلا فيها , كما تعلم الفلسفة والنجوم فكان له بها ولع شديد , وكان على طرفى الغلو فى كل أعماله – فإذا عاقب أفرط وسفك الدماء وقتل الأعوان والأقارب والعلماء , وإذا ثاب أو أحب بذل ما لم يبذله ملك , وكانت أعماله متناقضة , يفعل اليوم ما ينقضه غداً "
إن إصداره لتعليمات ومراسيم متضاربه أمرا يثير الدهشه والأسى والضحك فى وقت واحد , كما أنه لا يمكن التكهن بما يمكن أن يفعله أو يأمر به عند عرض عليه أى قضيه أو مشكله , فمثلا فى حاله قتله لفهد أراد أن يغطى فشله فى جذب فهد الى دينه أرسل الحاكم فى طلب أولاد الشهيد فهد وخلع عليهم الخلع وأمر بألا يمسهم أحد بسؤ وألا ينهب منزلهم , أما د0جاك تاجر فله رأى آخر (
16): " قد أراد الحاكم بذلك أن يتحدى أبا طاهر وإبن العداس اللذين أوعزا بهذه الجريمه واللذين توصلا إلى أعلى المناصب لتنفيذ خطتهما المعاديه للنصارى فى مصر وسوريا0 " إلا أنه لا يمكن غسل يدى الحاكم من هذه الجرائم التىلا يستطيع أحدا أن يجد لها تفسيرا إلا أنها حاذت على هوى نفسه لهذا قدم على تنفيذها بدون أى شعور بالندم وكان من تقليد الفاطميين الإستعانه بالنصارى إلا أن الحاكم بأمر الله أبطل هذه العاده بعد أن إضطهد الذميين كما هو مكتوب فى جميع كتب المؤرخين بلا إستثناء ولكنه لم يكن فى إستطاعته أن يستغنى أبداً عن جميع الموظفين النصارى
-------------------------------------------------------------

1) السلاقيون هم القبائل التى جاء منها الروس والبلغار وبولانده وإيلليريا وبوهيميا وبوميرانيا ورومانيا

(2) ذيل تاريخ دمشق لأبن القلانسى طبع ليدن عام 1908ص 60 اقباط ومسلمون ص 126
(
3) إبن القلانسى ص 60 وراجع أيضاً أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م إعداد د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951ص 126-127
(
4) تاريخ البطاركه – ساويرس إبن المقفع نشره سيبولد طبع ببيروت عام 1904م وطبعه ايفتس Evetts طبعه باريس1904 ج2 ص 102
(
5) الصغيره تاريخ الآباء البطاركة – للأنبا يوساب أسقف فوةه وهو من آباء القرن الثالث عشر – أعده للنشر للباحثين والمهتمين بالدراسات القبطية الراهب القمص صمؤيل السريانى والأستاذ نبيه كامل ص 95

(6) تاريخ البطاركه – ساويرس إبن المقفع نشره سيبولد طبع ببيروت عام 1904م وطبعه ايفتس Evetts طبعه باريس1904 ج2 ص102
(
7) المواعظ والإعتبار فى ذكر الخطط والآثار للمقريزى 0 طبع بولاق 1272هجريه
(
8) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م إعداد د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951 ص 127,128 - عن ذيل تاريخ دمشق لأبن القلانسى طبع ليدن عام 1908ص 56 تاريخ مصر فى العصور الوسطى 0 بالإنجليزية ) – ستانلى لين بول ص 128

(9) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع نشره سيبولد طبع ببيروت عام 1904م وطبعه ايفتس Evetts طبعه باريس1904 ص 102
(
10) تاريخ ابوالمكارم تاريخ الكنائس والأديره فىالقرن 12 بالوجه البحرى طبع سنه 1999 ج1 ص 19

(11) تاريخ ابوالمكارم تاريخ الكنائس والأديره فىالقرن 12 بالوجه البحرى طبع سنه 1999 ج1 ص 12
(
12) برجوان كان خصياً فى دار الخليفة العزيز بالله
(
13) طوفس تعنى مقبرة
(1
4) راجع مقالة " مصر فى عصر الخلفاء " الذى نشر فى مجلة الهلال عدد ديسمبر1936 ص 153-156

(15) صفحات من تاريخ مصر 2- تاريخ مصر إلى الفتح العثمانى – تأليف عمر الإسكندرى و أ. ج. سَفِدْج – مكتبة مدبولى 1410هـ -1990م أنظر ص 215
(
16) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م إعداد د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951 ص128
===================================================================================

الفصل الثانى
: هل الخليفة الحاكم بأمر الله .. مجنون .. أم أنه إدعى الجنون .. أم أنه إدعى النبوه ؟

لم يفعل ملك أو خليفة من قبله أفعال مثلما فعل هذا الخليفة من قبل , فهو لم يثبت على رأى واحد أو إعتقاد واحد بل انه كان يتردد بين النقيضين فى بعض الأحيان – وكان غريب الأطوار فكان يتسلق الجبل الشرقى ( الجبل المقطم ) فى جنح الظلام ويرصد النجوم لمعرفة الغيب والحكمه العاليه وكان يدرس كوكب زحل على حد زعمه ويقال أنه كان يذبح قرابين للشيطان ويقدم له ذبائح فيتشبه له الشيطان ويخاطبه فترك لبس الملوك ولبس صوف أسود وترك ركوب الخيل والمركبات وطاف راكباً حماراً أسود اللون وترك شعره يسترسل حتى نزل على كتفيه فأصبح منظره كأسد وعيناه واسعة شهل حتى أن كثيرون كانوا يرتعدون منه لعظم هيبته وصوته الجهورى ولأنه كان له حب وولع بالظلام فكان يمشى وحده فى كل موضع وربما كان يأخذ معه واحد او إثنين يتسمع على الناس فى بيوتهم ما يقولونه عنه وكان كثيراً ما يخرج على محفة من قصرة محمول فى محفة على أكتاف أربعة من الرجال الأقوياء ولم يتنعم مثل الملوك وكان سائحا بالجبال والبرارى ليلاً ونهاراً وقال د/ جمال سرور د/ كمال سرور – الدولة الفاطمية فى مصر ص 94, 95 : " وكان متقشفاً فمنع الناس من ذكر عبارة " سيدنا ومولانا " التى كان الناس يخاطبونه بها فى الشكاوى والمكاتبات العامة وألا يقبل أحد الأرض بين يدية كما كان من المعتاد أن يصلى الخطيب على الخليفة كما يصلى على النبى فى خطبة الجمعة فأمر ألا يصلى عليه أحد فى الخطب الدينية والمكاتبات , ونهى أيضاً عن إقامة الزينات فى طريقة وهو ذاهب إلى الصلاة "
وصار يشجع الفلكيين والمنجمين ويغدق عليهم الأموال فإستطاع المنجمون أن يسيطروا على عقول كثيرين من عامة الشعب حتى إضطر سنة 1014 إلى تحريم مهنة التنجيم لكنه ظل حريصاً أن يتابع رصد النجوم وأنشأ مرصداً فى جبل المقطم وسفك فى أيامه دما كثيراً ––
وكان يتجول ليلاً فيجد فى بعض الأحيان الباعة الشوايين ( يبيعون اللحوم المشوية ) يحملون التنانير ليشووا فيها اللحوم فأمر برمى بعضهم فى تنور النار فإحترقوا – ومر يوماً فوجد إنساناً يقلى لحم فى طاجن فأمر بأن تقطع يديه ورجليه وترمى فى الطاجن فقال له الرجل : " متى تعلم أمير المؤمنين القلى فإنما كنا نعرفه مشوياً شوا متى صار قلا " فضحك منه وأمر بإخلاء سبيله وهكذا كان يقتل الناس فى عصره سواء أن قاموا بشواء اللحم أو قليه 0
وقبض على لص سرق صدر فضة فى السوق من يد صاحبة فأحضروا اللص أمامه والصدر الفضه فى يده فقال له الخليفه الحاكم : " أرينى كيف جريت عندما خطفته من يد صاحبه " فجرى اللص ولم يستطع أحد أن يتبعه 0
ومر يوما على شون فيها حبوب وحطب وبوص وأمر بحرقها ليلاً فإحترقت وضاعت أثمانها على أصحابها – أما هو فمضى يستمتع بالنار المشتعله وهو راكب على دابته 0
وخرج عليه يوماً عشره من قطاع الطرق اللصوص مدججين بالسلاح ولم يكن معه غير إثنين من حراسه وسألوه أن يعطيهم ما معه من مال فقال : " إقتسموا فرقتين وتحاربوا قدامى فمن غلب دفعت كل ما معى من مال إليهم لأن من ينتصر يستحق أن يأخذ كل المال " ففعلوا كما قال لأجل حبهم للمال حتى مات منهم تسعة وبقى واحد فقال له : " الآن تستحق أن تأخذ المال " ورما له دنانير كثيرة من كمه كانت عاده أهل هذا الزمان أن يحتفظوا بالنقود فى مكان خاص بأكمامهم فسقطت الدنانير على الأرض فإنحنى على الأرض يجمع الدنانير فأومأ إلى حراسه فوثبوا على اللص فقتلوه وجمعوا تلك الدنانير فأعادها إلى كمه 0
وأمر بأن يبنى المهندسين بحرا مرخم ( حمام سباحه مبطن بالرخام ) يستمد ماؤه بواسطة ساقية ماكينة مصنوعة من الخشب أو الحديد تحركها وتديرها الدواب ترفع الماء من النيل تصب فى قناه تجرى المياه فيها إلى الحمام وعلى جانبى الحمام رخام وعليه سائر الطيور وأمر ببناء حائط عال يبرز منه خشبه ( سهم من الخشب ) رفيعة أفقية ( مثل التى يقفز منها السباحون هذه الأيام ) بحيث تنتهى حافتها على حافه الحمام – ثم أمر منادى ينادى فى شوارع مصر : أن من يمشى على هذه الخشبه وقفز إلى الحمام ووقع فى الماء دفع له ستمائه درهم , فطمع البعض من محبى الدراهم فتسلقوا الحائط ومشوا على الخشبة ( السهم ) وقفزوا وسقطوا على البلاط الرخام فماتوا

الخليفة الحاكم بأمر الله يدعى الألوهية والنبوة
وكان له جواسيس كثيرين ومخبرين يطوفون ليلاً ونهاراً يجمعون له الأخبار لهذا كان لا يخفى عليه شيئاً مما كان يجرى فى مصر , ويقول إبن المقفع " ظن العامه والبسطاء أن فيه قوة الله وزاد فى إعتقادهم حينما ظهر شخص إسمه الهادى من المشايخ وكان معه إثنى عشر تلميذاً من الرجال الذين تتلمذوا له وكان يدعون الناس له وكان يعظون الناس قائلين : " أن الحاكم بأمر الله هو المسيح ! " وألف رجل منهم كتاباً فى ذلك فثار عليه المصرين فذهب هو وأتباعه إلى الشام وقيل إلى جبل الدروز ولا يزال أتباعه يؤمنون به حتى الآن
وظهر رجل آخر فى عهده إسمه ضرار صار أمره مشهوراً فى مصر إبتدع بدعه جديده هى أنه منع المسلمين من حفظ يوم الجمعة وأيام عيدى الفطر والأضحى – تحريم الحج إلى مكة والذهاب إلى مقام طالب باليمن – وأباح زيجة الأخ وأخته وبين الأب وبناته وبين الأم وأبنائها من الذكور –
ووفد إلى مصر بعض الفرس وإعتنقوا المذهب الشيعى الفاطمى وتطرفوا إلى الدعوه لتأليه الحاكم سراً , وقادهم شخص يدعى حمزه بن على الزورنى الذى وفد إلى مصر سنة 1015م إلا أنهم فى سنة 1018 م جاهر بدعوتهم فإلتف حوله متطرفى الشيعة وغلاتهم فإحتضنه الحاكم بأمر الله وشجعه .. ولكن مسلمى مصر السنيين عندما رأوا نجاح دعوته أعلنوا غضبهم علناً وثار بعضهم عندما سمعوا بتأليه الحاكم فى جامع عمروا بن العاص فإنتهى الأمر بقتل الداعية ويعتبر أن قتل الداعيه كان سببا فى تدمير الحاكم جامع عمرو بن العاص أول جامع أقيم فى الإسلام بعد هذه الحادثة.
ولما كثر الدعاه لنبوته وأتم الحاكم جامعه المعروف بإسمه فى القاهرة ( كان جامع الحاكم بأمر الله مستودعاً لحفظ الآثار العربية حتى سنة 1864 ) فصدق أنه نبى وأنه يناجى ربه من جبل المقطم وأعلن أنه أعظم من عيسى وكان يريد من الناس أن يعتقدوا أنه كعيسى المتجسد بروح الله ومحمد ونادى المسلمين والمسيحين أن يعترفوا به فإنقسمت آراء المصريين فقال البعض : " أنه تجاوز الحد "
ولما سعى فى إزاله الديانه السنية ففى سنة 395هـ 1004 م كتب على المساجد عبارات مهينه للنيل من الخليفة أبى بكر والخليفة عمر بن الخطاب وعائشة وأخذ الحاكم يحرق المصاحف التى كتبت فى عهد الحكام السنيين إحتقره المسلمين وهم غالبية الشعب أما المسيحيون فقالوا:" أنه المسيح الدجال "
وترى أيريس حبيب المصرى أن : " الحاكم كان ذا نزعة عنيفة للخفاء والتعلق بالخفاء شيم من شيم الفاطميين جميعاً منذ عهد المعز لأنهم إدعوا معرفة الغيب الخطط للمقريزى ج1 ص 458 وأحاطوا أنفسهم بالكثير من الغموض ليكتسبوا نوعاً من القدسية والمهابة , حتى بلغ الأمر أنه إذا رأى أحد المغاربة سحابة عابرة ترجل وإنحنى لها بحجة أن الخليفة الفاطمى مستتر خلفها نظم الحكم بمصر فى عهد الفاطميين د/ عطية مصطفى مشرفة – الطبعة الثانية ص 36 وقد ظهرت هذه النزعة على أشدها عند الحاكم بأمر الله , وفى هذا الصدد يقول الأستاذ محمد عبدالله عنان فى وصف الحاكم : " كانت شخصية الحاكم لغزاً مدهشاً , وكانت خلاله مزيجاً من الأهواء والنزعات المتناقضة فى معظم الأحوال .. وقد رأينا أن أن هذا الذهن الهائم , كما أنه يهبط فى تصرفاته أحياناً إلى ضروب مثيره من التطرف والتناقض والهوس , فإنه يرتفع كذلك إلى ضروب من الحكمة والسمو تحمل على التقدير والتأمل , ولعل التاريخ الإسلامى لم يعرف شخصية يحيط بها الخفاء كتلك الشخصية العجيبة التى تثير من حولها الدهشة والروع فى كل تصرفاتها الخاصة والعامة , والتى يلازمها الخفاء لا فى هذه الحياة الدنيا وحدها ولكن فى الحياة الأخرى أيضاً , حيث تغادر هذا العالم فى ظروف الأساطير وتبقى هذه الظروف لغزاً على التاريخ حتى يومنا هذا راجع مقاله " عصر الخلفاء فى مصر الإسلامية " الذى نشر فى مجلة الهلال عدد ديسمبر 1936 ص 153 - 156
ومنع الشعب المصرى من تناول بعض الأطعمة التى كان يفضلها الخلفاء العرب السنيين مثل الملوخية 0
وقد وضع الحاكم دفاتر فى مراكز الحكومة الأربع فى القاهرة ومصر القديمة والفسطاط وبابليون لتسجيل أسماء الذين يعترفون بأوامرة الكفرية وقيل أن الذين سجلوا أسمائهم 16 ألفا ولم يطعه أحد المسيحيين لهذا السبب إغتاظ من الأقباط ونقم على النصارى جميعاً وأمعن فى التنكيل بهم – فأحرق بابليون المنطقة التى يكثر فيها الأقباط وسلبت جنوده أمتعتها ووقع كبار الأقباط فى شدة قوية وأمر الخليفة بقطع عنق إثنين منهم وإستمرت فترة الإضهاد 9 سنين كاملة وكانت فترة الثلاث سنين الأخيرة أشد وأقسى عصور الإضطهاد التى واجهت الأقباط بعد الإحتلال الإسلامى لمصر – ويقول جاك تاجر فى أسفل صفحة 127 لما أخذ الخليفة يبشر بألوهيته عام 408هـ غضب الشعب وثار وعاد يهاجم قصر الخليفة طالباً درازى فإنتقم لذلك بإحراقة القاهرة ولكن ما قاله المؤرخ السابق ليس له أى سند تاريخى لأن المنطقة التى أحرقت هى منطقة مصر القديمة ( بابليون) وهناك سبب منطقى لحرقة هذه المنطقة وهو عدم إعتراف الأقباط به كإله .
وعندما كان الحاكم يبشر بدينه الجديد فى الخفاء وكان جميع أعضاؤه من الشباب صغيرى السن وقد تم القضاء عليهم بضربة واحده .. ولكن شاباً واحداً إستطاع الإفلات وتسلل من مصر هرباً تحت جنح الظلام وإجتاز صحراء سيناء إلى بر الشام وراح يبشر فى بداية الشام .. وأعلن أن الخليفة الحاكم بأمر الله رفع إلى السماء وأنه المهدى المنتظر الى أن يعود فى آخر الزمان ليصلح الأرض من الشرور ويقيم العدل قبل يوم الموقف العظيم هذا الشاب إسمه " عبد الرحمن الدرزى " وكان الحاكم إحتضنه وقربه إليه وذهب هذا الدرزى إلى الجامع الأزهر وهو جامع شيعى وأعلن مذهبه على منبره فأثار سخط المصريين السنيين والشيعة المعتدلين , فافتوا بقتله وظلوا يتعقبونه حتى علموا أنه مختبئ فى قصر الخليفة فذهبوا إليه وطالبوا بتسليمه إليهم فظل الخليفة يماطلهم حتى دبر له أمر الفرار إلى الشام وأمده بأموال كثيرة فأخذ ينشر دعوته بتأليه الحاكم بأمر الله هناك فإستمال إليه أنصار وأصبحوا يعرفون بإسم الدروز حتى هذا اليوم وإلى إسمه إنتسب معتنقوا الدين الجديد " الدروز "(1)
وأصبح الخليفة الحاكم أسطورة دينية يؤمن به الدروز
وبالرغم من تشكك المؤرخين حول شخصية هذا الخليفة فقد أنشأ هيئه علمية إحتفل بإفتتاحها سنة 1005 م 395 هـ وأسس مكتبة عظيمة فيها الكثير من المؤلفات المتنوعه فى العلوم والفنون وعين لها كتبة ماهرون للنسخ غير أنه قاومها بعض الرجعيين لأنهم إعتقدوا بشذوذها وإنحراف بعض ما فيها من كتب عن الدين الحنيف ,وقد ابطلت هذه الهيئه من الوجود سنة 1112 م أبطلها رجل إسمه الفضل لما رأى ما فيها من تعاليم مخالفة للعقيدة السنية ولكن المسلمين أعادوها بعد ذلك إلى سابق مجدها وأسسوها على قواعد متينة وظلت تقوم بأعمالها إلى أن تلاشت بتقلص حكم الدولة الفاطمية فى مصر (2)
إ
ضطهاد الخليفة الحاكم بأمر الله للمسيحين عامة والأقباط خاصة
وفى عام 399 هـ 1008 م فرض قيوداً أخرى على زى النصارى ومنعهم من إمتلاك العبيد وإستخدام المسلميين وصدر أمره فى هذه السنة بهدم كنائس القاهرة ونهب كل ما فيها
وقال المقريزى المؤرخ المسلم (
3) يصف الأهوال التى واجهها الأقباط فى عصر هذا الحاكم بأمر الله : " وقد إشتد الحاكم على أقباط مصر - وألزمهم بشد الزنار على أحقائهم ( حبل من ليف النخل يلف على الوسط ) – فى سنة 1009 م نهاهم عن الإحتفال بعيد الميلاد والغطاس والفصح (4) "– حرق الصلبان والأخشاب التى تعمل منها – ومنع ضرب النواقيس ( الأجراس) – ثم أمر بنزع الصلبان من قباب ومنارات الكنائس – أمر المسيحيين بمحو علامة الصليب من على أيديهم – وفى بداية إضطهاده أمر بأن كل مسيحى يذهب إلى الحمام يعلق صليباً فى رقبته وكل يهودى يعلق جرساً – حظر عليهم شراء العبيد والإماء – وهدم كنائس شادح وكنائس الرشيد وكنائس مصر العتيقة وخرب كنائس المكس التى كانت خارج الإسكندرية – نهب أوانى الكنيسة وعرضها للبيع – أمر بهدم دير القيصر وصرح لعامة المسلمين ورعاعهم بسلبه – حظر على القبط الإحتفال بعيد النيروز الذى إعتادوا أن يقيموه على شاطئ النيل عند الخليج فى القاهرة منعا لهم من السرور والفرح بعيد شهدائهم – أجبر كل قبطى أن يعلق فى رقبته صليباً خشبياً لا يقل وزنه عن 5 أرطال
حظر عليهم ركوب الخيل ولا يركبون إلا البغال والحمير بسروج عادية غير مموهه بالذهب - أن تكون ركائب السروج من خشب الجميز – أصدر أمراً عاماً بتدمير كنائس مصر قاطبة وجعلها غنيمة للمسلمين أمر أصحاب الإصطبلات (
5) بعدم إعطاء الأقباط خيولاً بعد الغروب لركوبها (6) - أن يلزم كل نوتى أن يسمح للأقباط الذين يلبسون العمائم السوداء فقط بالسفر أما اليهود
فأمرهم بأن يعلقواحجراً مستديراً وزنه 5 أرطال فى أعناقهم وبصبغ أطراف عمائمهم ويلبسوا الزنانير ويصنعوا شكلاً خشبياً على شكل العجل الذى عبدوه فى البريه يضعوه على طرف العمامه من الأمام .
أصدر امراً عاماً بتدمير كنائس مصر قاطبه كل هذا حل بالأقباط المساكين ولم يشف له غليلاً فأمر بسلب أمتعة الكنائس وأوانيها وتحويلها إلى جوامع أو إقامة جوامع على أنقاضها وأمر أن يؤذن فى كنيسة القديس شنودة فى مصر القديمة حالاً وبنى المسلمين سوراً حول كنيسة السيدة العذراء المعروفة بالمعلقة ( فى قصر الشمع ) (
7) "
وذكر ابو صالح المؤرخ : " أن الكنائس الشهيرة التى تخربت بأمر الحاكم والتى تحولت إلى جوامع ما عدا كنائس القاهرة كنيسة النسطوريين قرب العدوية أو منية السودان وتبعد نحو 18 ميلاً من القاهرة وكنيسة السيدة العذراء فى أسوان وكنيسة العذراء بالشمونيين ودير القصير الشهير وقد أعيد بناؤه بعد زمن الإضطهاد ومما يستحق الذكر كنيسة القديس باخوميوس بمدينة فاو بغقليم دشنا وكان طولها 150 ذراعاً وعرضها 75 ذراعاً وكانت حيطانها مرصعة بالفسيفساء والأحجار الكريمة وأعمدتها من أجود أنواع الرخام هذا عدا جملة كنائس فى بلاد النوبة هدمتها حملة الإسلام بعثها الحاكم بأمر الله خصيصاًُ لإبطال العبادة وكان الملك الذى يحكم النوبة حينئذ يدعى رفائيل حكى عنه أبو صالح المؤرخ أنه أقام فى دنقلة عاصمة ملكه قصوراً تناطح السحاب فى قبابها من الطوب الأحمر الجميل الصنع وكانت شوارع المدينة متسعة وكنائسها فاخرة(8)
ومنع أهل الذمة الذى يدعوهم المسلمين كفرة أى الذين لا يؤمنون بدينهم ألا يدخلوا حمام مع المسلمين – وأمر بأن تكون لهم حمامات خاصة وأن توضع علامة صليب خشب على حمام النصارى – وقرمة خشب على باب حمامات اليهود .
سبب تسمية الأقباط العضمه الزرقاء
فى سنة 1011م أجبر كل قبطى أن يعلق صليباً خشبياً وأمر فى البدايه أن يكون طول الصليب فى البدايه شبر ثم أصدرا أمراً آخر بأن يكون طوله ذراع ونصف ولا يقل وزنه عن 5 أرطال مختوم بخاتم رصاص عليه إسمه ويعلقوه فى رقابهم بحبل من الليف أما اليهود فقد أصدر أمراً أن يعلقوا حجرا
مستديراً وزنه 5 أرطال فى أعناقهم فجحد كثيرمن النصارى واليهود إيمانهم من رؤسائهم إلى عامتهم – ومن كثرة لبسهم للصليب وثقله إزرقت عظمة الترقوة فراح المسلمين يذلون الأقباط وأطلقوا عليهم إسم " العظمه الزرقاء " وما زال هذا الإسم يستعمل حتى الآن حيث يغيظ به المسلمون الأقباط ولكنهم لا يعرفون أن له معنى ما زال أيضاً حتى الآن قصه هذا الإضطهاد يحكيه آباء الأقباط لأبناؤهم جيلاً بعد جيل وكيف واجه آباؤنا ذل المسلمين وقسوة إضطهادهم حتى أنهم كانوا يريدون طردنا من بلادنا وأراضينا التى إحتلوها ولا يزال ما حدث يفسره آباء الأقباط لأبنائهم حتى فى القرى البعيدة عن الحضارة ولا يعرف أهلها القراءة أو الكتابة عندما يغيظ أولاد المسلمين الأقباط وينادونهم بالعضمة الزرقاء
.
ثم أمر بحرق الزبيب ويقول إبن المقفع (
9): " فأحصى ما أحرق منه فى مصر والشام فكان ستمائه ألف ساطرة – وإستولى على العسل فى مصر وكسر أوعيته (10) وطرح كثيراً منه فى البحر – وخسر تاجر ثمن العسل وزبيب فرفع شكواه عند قاضى القضاة الذى كان إسمه إبن النعمان وكان التاجر غير مصرياً فقال : " أنه وصل إلى مصر ببضاعته وهى زبيب وعسل للأكل وعمل الحلاوة وقام الحاكم بإتلاف بضاعته وكسرها ورمى الباقى فى البحر " فأحضرهما القاضى أمامه وطلب التاجر أن يدفع الحاكم ألف دينار وهذه قيمة ما خسرة مما فعله ببضاعته فقال الحاكم : " أنت جلبت هذه البضاعة لعمل المنكر وإلا فإحلف أنك جلبتها لعمل الحلاوة والأكل وخذ ثمنها " فطلب التاجر من القاضى أن يحضر الخليفة الحاكم ألف دينار قبل أن يحلف فأمر الحاكم بإحضار المال – فحلف التاجر وتسلم ماله ثم كتب الحاكم عليه أنه تسلم ماله وقبضه وإستوفاه وإلتمس أن يكتب له التاجر سجل برعايته وحفظه – أى أن الحاكم حفظ المال عنده بعد أن كتب التاجر أنه تسلم ماله – وعندما إنتهت هذه القضية وقف القاضى أمام الحاكم وحياة تحية الخلافة فإزدادت مكانة القاضى عند الحاكم 0
وأمر بعدم ذبح الماشية إلا فى العيد .
الــــــخليفة الــــــــــــــحاكم والنساء
وذات يوم إجتاز بحمام خاص بالنساء فسمعهم يرقصون ويلقلقون فرحين ربما لأجل زواج إحداهن فأمر بأن يسد باب الحمام عليهن بجدار فسد منافذ الهواء وزادت الحرارة داخل الحمام فتحولت أصواتهن لإستغاثة وصراخ وذعر وماتت النساء جميعاً فى الداخل وليس من ينقذ أو يعين , ومن أوامره الغريبة أنه
وفى سنة 1005 م أصدر أمراً بمنع النساء الظهور سافرات ومن السير خلف الجنازات – وفى سنة 1006م أصدر أمراً آخر بمنع خروج النساء إلى الأسواق والحمامات وحرم على النسوة التطلع من النوافذ أوالجلوس على أسطح المنازل- وقتل منهن عدداً كبيراً أمر نساء مصر بعدم الخروج بالنهار بتاتاً ولكى يضمن تنفيذ ذلك أمر بمصادرة أحذيتهن كما أمر صانعى الأحذية بعدم صناعة الأخفاف ( أحذية النساء ) – وكان من أثر سياستة أن أصبحت الشوارع لا يسير فيها إلا الرجال وخلت الطرق من النساء وإعتكفن البيوت - فكاد له النساء فكانوا يخرجون ليلاً ويوقفون تماثيل جير وجبس من النساء فى الطرق التى يسلكها وفى يدها رقاع ( كتابات على أوراق) كأنها للشكوى فكان ينزل من على حماره معتقداً أنها شكوى أو طلب فيجدها شتميمه فيه ويسبون أخته ست الملك ويقول إبن المقفع (
11) : " لأجل ذلك أمر بإحراق مصر ( بابليون ) ونهبها " (12) أما جاك تاجر فقد كان له رأى آخر عن حرق العاصمة فقال (13): " لما أخذ الحاكم يبشر بألوهيته عام 408 هـ غضب الشعب وثار وعاد يهاجم قصر الخليفة طالبا ًدرازى , فإنتقم الحاكم لذلك بإحراق القاهرة " وبحرق الفسطاط القديمة التى كان غالبيتها من الأقباط فقد القبط معظم ثروتهم ومساكنهم لأنه سمح للمسلمين بنهبهم قبل حرق مساكنهم وأصبح الأقباط بلا مأوى أو عمل أو ثروة .
وكانت هذه الأوامر مشددة إلى حد أن كل من تجاسر على عصيانها كان جزاؤه الجلد وأحياناً الإعدام (
14)
وحاول أحد كتاب التاريخ المسلمين فى سذاجه أن يدافع عن تصرفات الحاكم بإضفاء صفة دينية على أعمال الحاكم بأمر الله الفاطمى فقال د/ جمال سرور (
15): " أنها كانت بدافع الشعور الدينى وإصلاح الأخلاق وتطهير نفوس المجتمع من الرذائل " وعلى القارئ أن يحكم بنفسه على هذا القول .
الحاكم بأمر الله يقضى على اللغة القبطية
إن الضربة القاضية التى تلقتها اللغة القبطية فى عهده كانت بمثابة نهاية للغة الفراعنة فقد أصدر أوامر مشدده بإبطال إستخدام اللغة القبطية فى التعامل
الشعبى نهائياً فأصدر الأوامر المشددة بإبطال التكلم أو التلفظ باللغة القبطية فى الشوارع والأسواق وغيرها من الأماكن العامة ومعاقبة كل من يتكلم بها بقطع لسانه , ثم ضيق على الأولاد والبنات والسيدات فى بيوتهم فأمر

بأن تقطع لسان كل سيده تتكلم مع أولادها باللغة القبطية –
ومن المعروف تقليدياً أن كل حاكم عربى يخرج فكره من قريحته وينفذها يحذو حذوه الطغاة الذين يجيئوا بعده ولم تمضى مائة سنة من هذا العهد حتى إختفت اللغة القبطية من القرى والنجوع وظلت كلمات غير مفهومه يصلى بها القداس الذى ترجم إلى العربية حتى يستطيع الأقباط الصلاة إلى ربهم – ( أما دواوين الدولة فقد حدث منذ سنة 705م او سنة 706م فى خلافة الوليد عبد الملك الأموى وولاية واليه على مصر عبدالله بن عبد الملك الذى كان يمقت المسيحين عامه والأقباط خاصة مقتاً شديداً أنه أمر بإستخدام اللغة العربية لغة رسمية فى الدواوين الحكومية ) ثم إكتشفت الحملة الفرنسية حجر فى رشيد مكتوب عليه فقرة واحده بعده لغات منها اللغة اليونانية والقبطية والكتابة الفرعونية القديمة وأمكن للعلامة الفرنسى شامبليون مضاهاة إسم كيلوباترا باللغات الثلاثة فعرف باقى الحروف وبهذا الإكتشاف أمكن لعلماء الآثار قراءة الكتابات الهيروغليفية على معابد الفراعنة وهكذا إنحصرت اللغة القبطية فى الأديرة ولكن تقوم الكليات اللاهوتية والمدارس القبطية فى سيدنى بتدريسها وقام أحد المهاجرون فى أمريكا بطبع كتاب ضخم فيه مفردات اللغة وقواعدها ويوجد عده كتب طبعت فى مصر عنها إلا أن الأمل فى إحيائها لتصبح لغة التخاطب لا زال بعيداً .
----------------------------------------------------------------------------
(1) مصر من تانى – صدر بالقاهرة - محمود السعدنى – دار كتاب صدر عن دار أخبار اليوم ص 35
(2) كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900 ج2 ص 35
(
3) كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900 ج3 ص 30
(
4) ( عيد القيامه المجيد) (3) ( التى تؤجر خيولاً )

(5) ( قد يكون سمع بركوب الأقباط خيولاً بعد الغروب )
(
6) ( صاحب مركب )

(7) كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900 ج3 ص 29- 30.
(
8) كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900 ج3 ص 32- 33
(
9) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع نشره سيبولد طبع ببيروت عام 1904م وطبعه ايفتس Evetts طبعه باريس1904 ج2 ص 105
(
10) يعتقد أنه كان معبى فى أوانى خزفية أو فخارية
(1
1) ) سيره الأباء البطاركه – ساويرس إبن المقفع نشره سيبولد طبع ببيروت عام 1904م وطبعه ايفتس Evetts طبعه باريس190 ص 106
(
12) وهذه ثانى مره يحرق فيها المسلمين عاصمة مصر فقد كانت المرة الأولى على يد الخليفة الأموى مروان
(
13) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م إعداد د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951أنظر حاشية ص 127
(
14) تاريخ مصر فىالعصور الوسطى - ستانلى لاين بول ص 135 – 136 وراجع أيضا مصر.. من مينا إلى فؤاد الأول بالفرنسية لـ بول دى هنو ص 234 – تاريخ الأمةالقبطية ليعقوب نخلة روفيلة ص 115- 116
(
15) دكتور جمال سرور – الدولة الفاطمية فى مصر ص 92
========================================================================================

الفصل الثالث : الخليفة المسلم الحاكم بأمر الله يأمر : بهدم كنيسة القيامة وجميع الكنائس المسيحية فى بلاد خلافته

وفى سنة 399 هـ 1008م إغتاظ الحاكم من المسيحيين لأنه عندما إطلع على الدفاتر لم يجد قبطيا واحداً يؤمن بإلوهيته وعندما علم بأن النصارى يطوفون خارج أسوار كنيسة القيامة بالقدس أثناء الإحتفالات الدينية بقيامة السيد المسيح له المجد وخاصة يوم أحد الشعانين وفى عيد الفصح ( إستمر المسيحيين يحتفلون به قبل توليه الخلافة لمدة ألف سنة بدون توقف ) –
فأمر الحاكم الله أمر بهدم كنيسة القيامة وتخريب القبر المقدس والكنيسة المبنية علية وكان ذلك فى اليوم الثانى من سجن البابا القبطى زخارياس رقم (64) كما إستدعى البطريرك أرميا بطريرك أورشليم للروم الأرثوذكس ( الملكيين) إلى مصر وهو يعتبر خاله (1) وأمر بقطع راسه بالسيف وهرب أخوه الراهب أرسانيوس الناسك من وجه الخليفة خوفا من قتله أيضاً وكانت أمه جعلت أخيها أرميا بطرك أورشليم وأخيها أرسانيوس بطرك الملكين الأروام فى مصر ويقول إبن المقفع (2) ولما أصبح أرسانيوس بطريركا للأروام فى مصر طمع فى أخذ كنيستين وكان لنا بقصر الشمع ( حصن بابليون ) كنيستين على إسم السيده الطاهره مريم إحداهما المعلقة والأخرى بزقاق أبو حصين فأراد أن يأخذ المعلقة فوقف كبار الأقباط ووزرائهم أمامه وحدث خصام إلى أن أخذ كنيسة السيده بزقاق أبو حصين وبقيت المعلقه لنا .
وأطلق الخليفة على كاتبة القبطى إبن عبدون " ثقة ثقات السيف والقلم"(3) ولم يلبث الحاكم أن إستغنى عن خدماته وأخرجه من الديوان وأمر بقتله وإستولى على ممتلكاته .
وعين الخليفة كاتب سجل آخر وكان نصرانى نسطورى إسمه إبن شيرين (زرعه بن عيسى بن نسطور بن شيرين ) أمرة الخليفة بكتابة أمر هدم كنيسة

القيامة فى أورشليم وإرساله وكان الأمر لواليه فى سوريا
هذا نصه :

خرج إليك أمر الأمامة بهدم القيامة ^^ "" ^^ فأجعل سمائها أرضاً وطولها عرضاً
وتم الأمر بالهدم ويقول إبن المقفع أن إبن شيرين : " صار مثل السكران الذى صحا من سكره وفكر فيما فعله وقال كتبت بيدى بأن تهدم القيامة فلماذا لم أطلب الموت قبل أن أفعل هذا ؟ ما الذى كان يفعله الحاكم بى أكثر من ضرب العنق ؟ وما أعظمها شهادة كنت أريدها ؟ وكان يردد هذه الأقوال ليلاً ونهاراً ومن شدة حزنه إعتل ولزم فراش المرض وظل يردد قائلاً .. يا يدى اليمنى كيف جسرتى وفعلتى هذا الأمر الفظيع أنا أيضاً أفعل بك ما تستحقينه فأعذبك .. ثم راح يرفع يده ويضرب الأرض بها وظل كذلك طول أيام مرضه حتى تقطعت أصابعه ومات 0 ولم يكن الكاتب السابق هو الذى حزن على هدمه كنيسة القيامة فقد قال جاك تاجر (
4) إذ :
" بكى المسيحيون جميعهم "(
5)
 وقال جاك تاجر أيضاً (
6):
"ولا بد أن يكون هذا الإجراء أحد الأسباب الهامة لقيام الحروب الصليبية "
وفى عام 400 هـ 1009 م أصدر الأوامر المشددة بإلغاء الإحتفالات الدينية
(7) التى يقيمها المسيحين فى أنحاء البلاد وحرم الخليفة الحاكم بأمر الله أشطة اللهو على شواطئ الخليج المصرى بالقاهرة – فأمر بسد أبوب الدور التى تقع علي الخليج والطاقات المطلة عليه بحيث ينقطع النور المنبعث منها وينعكس على صفحة المياه فتبتهج الناس أثناء الإحتفالات الدينية القبطية المسيحية وصودرت أوقاف الكنائس لحساب بيت المال – ومنع ضرب النواقيس – وأمر بنزع الصلبان من على قباب الكنائس ووصل الأمر به إلى أن أمر أن يمحو الأقباط وشم الصليب من أيديهم وأذرعتهم أما عن تعليق الصلبان الخشب الذى طوله ذراع ووزنه 5 أرطال فقد أصدره الحاكم هذا الأمر سنة 402هـ 1011م ونفذ أمر الخليفة بحذافيره خاصة بالنسبة للكتاب المسيحين الذين لم يتيسر له الإستغناء عنهم " لمضايقتهم "
فى ربيع سنة 403 شـ - 1013م أصدر أمراً عاماً بتدمير جميع الكنائس الموجودة فى أرض مصر وجعلها غنيمة للمسلمين كما أمر بإقامة الجوامع مكانها – وأمر أن يؤذن فى كنيسة القديس الأنبا شنودة بمصر القديمة – وبنى المسلمين سوراً حول الكنيسة المعلقة ( فى حصن بابليون الرومانى المسمى بقصر الشمع ) وكان على ولاة الأمر فى أنحاءالخلافة الإسلامية أن يتأكد من هدم أبنية المسيحية من كنائس وأديرة وخلافة الموجودة فىالمنطقةالتابعة له هدماً تاماً لئلا يتعرض لبطش خليفة بالشكل الذى وصفه المؤرخون به كما أنه الأدوات التى تستعمل فى الكنائس فى ذلك الوقت كانت من المعادن الثمينة فكانت هدفاً للطامعين لكل طبقة من الطبقات الإجتماعية الإسلامية بدءاً من الولاة حتى الرعاع والسوقة 0
وزاد الأمر سوءاً وحشية السوقة ورعاع المسلمين فقد طلبوا تصريحا من النهب المنظم لأملاك لمقتنيات النصارى وكنائسهم ليحققوا إرادة مولاهم فأعطاهم الأمر بذلك بل أنه أصدر الأمر إلى حكام الأقاليم بمساعدتهم فى هدمهم وسلب الكنائس فطافوا يتلفون ويخربون ويسلبون أوانى الكنائس ومقتنياتها وباعوها علناً فى الأسواق وفى هذا الإضطهاد المريع هدم العامة دير القصير وهو أحد الأديرة الكبيرة التى تغنى بها شعراء المسلمين أنفسهم , ثم قام بدور خاص بأن هدم كنائس خط راشدة والمقس (
8) " وإستولى على الأراضى التى كانت مقامة عليها كما إستولى على كل ما وجده فيها من أوانى وملابس ووضعوا أيديهم على الأوقاف وهى الأراضى المخصصه للصرف على الفقراء والكنائس وفقراء الشعب القبطى ووجدوا فى كنيستى القديس الأنبا شنودة والمعلقة غنائم لا تقدر بثمن وملابس حريرية وأشياء لا تحصى ولا تعد وذكر المقريزى المؤرخ المسلم أن عدد الكنائس التى خربت بلغ 30 ألف كنيسة بما فى ذلك الهياكل والكنائس التى بناها البيزنطيون ( التابعه للأروام فى مصر) وكانت أبنية جميله وقصور الأديرة شاهقه وأوانيها نفيسة وبديعة فى صناعتها . ويذكر الأنطاكى (9) أنهم : " محوا الكنائس محواً ووصلت بهم ثورة الإنتقام إلى نبش القبور وإستخراج عظام الموتى لإستعمالها وقوداً للحمامات "
وقد أوردت كاتبة تاريخ الأمة القبطية (
10) الفقرة التى كتبها المؤرخ المسلم المقريزى تبين تعسف الحاكم بأمر الله ضد الأقباط فقال : " وقد إشتد
الحاكم على أقباط مصر وألزمهم بشد الزنار على أحقائهم , ونهاهم عن الإحتفال بعيد الميلاد والغطاس والفصح وحظر عليهم بعدم الإحتفال بعيد النيروز الذى إعتادوا أن يقيموه على شاطئ النيل فى كل عام ووضع لهم هذا الأمر تنكيلاً بهم ومنعاً لهم من الفرح والسرور , وحرق الصلبان والأخشاب التى تعمل فيها , وحظر عليهم شراء العبيد والإماء , وهدم كنائس شادح الرشيد فى مصر العتيقة , وخرب كنائس المكس التى كانت خارج الإسكندرية ونهب أوانيها وعرضها للبيع ,امر بهدم دير القيصر (
11) وصرح لرعاع المسلمين بسلبه وأجبر كل قبطى أن يعلق صليباً خشبياً فى رقبته لا يقل وزنه عن خمسة أرطال , وحظر عليهم ركوب الخيل إلا البغال والحمير بسروج ولجم عادية غير مزينة بالذهب , وأمر أصحاب الإصطبلات أن لا يخرجوا جواداً ليركبه الأقباط بعد الغروب , وأن يلزم كل نوتى (بحار) مسلم يقدم قبول قبطى للسفر فى مركبه , وأن يلبسوا العمائم السوداء وان تكون ركائب سروجهم من خشب الجميز , وأن يعلق اليهود حجراً مستديراً وزنه خمسة أرطال فى أعناقهم وأصدر أمراً عاماً بتدمير كنائس مصر قاطبه وحعلها غنيمه للمسلمين كل هذا حل بالأقباط المساكين ولم يشف له غليلاً فامر بسلب أمتعة الكنائس وأوانيها وإقامة الجوامع على أنقاضها وامر أن يؤذن فى كنيسة الأنبا شنودة بمصر القديمة على الفور , وبنى المسلمين سوراً حول كنيسة المعلقة ( بقصر الشمع) وهو حصن بابليون الرومانى وإلتمس المسلمين من الخليفة يأمرهم بالتجوال فى أنحاء القطر لتخريب ما بقى من كنائس فأجابهم إلى ذلك وأصدر أمره إلى حكام الأقاليم بمساعدتهم فى غرضهم فطافوا يتلفون ويخربون كل سنة 403 للشهداء الموافقة 1013 م فسلبوا الكنائس واخذوا أوانيها وأمتعتها النفيسة وصاروا يبيعونها جهاراً فى الأسواق , ووضعوا أيديهم على جميع الأوقاف القبطية التى تمتلكها الكنيسة فلم يبقوا لها عيناً ولا أثراً ووجدوا فى كنيستى القديس الأنبا شنودة والمعلقة غنائم عظيمة من الأوانى الذهبية والملابس الحريرية وغيرها مما لا يعد ولا يحصى ويؤخذ من التقارير الرسمية أنه تخرب فى تلك السنة ما يقرب من ثلاثين ألف كنيسة فى مصر والشام وباقى بلاد الخلافة "
وقد ذكر أبو صالح الأرمنى (1
2) أن من الكنائس الشهيرة التى تخربت بأمر الحاكم وتحولت غلى جوامع ما عدا كنائس القاهرة – كنيسة النسطوريين قرب العدوية أو منية السودان وتبعد عن القاهرة نحو 18 ميلاً – وكنيسة السيدة العذراء فى أسوان – وكنيسة العذراء فى الأشمونين – ودير القصير الشهير – وقد أعيد بناؤه بعد ومن الإضطهاد – ومما يستحق الذكر كنيسة القديس باخوميوس بمدينة فاو بغقليم دشنا كان طولها 150 ذراعاً وعرضها 75 ذراعاً وكانت حوائطها مرصعة بالفسيفساء والأحجار الكريمة واعمدتها من أجود أنواع الرخام هذا عدا الكثير من الكنائس فى بلاد النوبة هدمتها حملة من غلاة المسلمين بعثها الحاكم خصيصاً لهذا الغرض , وكان الملك الذى يحكم النوبة حينئذ يدعى رفائييل قال عنه أبو صالح المؤرخ أنه أقام فى دنقلة عاصمة ملكه قصوراً قبابها تناطح السحاب من الطوب الأحمر الجميل الصنع كانت تنافس مبانى العراق الجميلة وشوارع المدينة كانت متسعة وكنائسها شاهقة فاخرة
وقد أرسل الخليفة الحاكم أميراً ومعه فعله وعمال ومساحين فى مراكب وجالوا يهدموا الكنائس الباقية فلما وصلوا إلى ترنوط ليهدموا الكنائس الموجودة فى برارى مصر وصحاريها وخاصة بريه وادى النطرون فقال الجنود : " نحن نخاف من العرب الذين فى الجبال لكثرتهم " وبهذا أبطل الرب الإله مؤامرتهم كما أبطل مشورة أخيتوفل , وقال مؤرخ آخر أن مار جرجس ظهر لهم وردهم وأخافهم حتى عادوا 0
وفى هذه الضيقة ظهرت رأفة الآب السماوى على فئة صغيره من شعبه وهم طبقة الصناع والفنانين الذين توقفوا عن العمل بسبب الإضطهاد فقد كان ملك الحبشة وإسمه لاليبالا رغب فى تشييد عدد من الكنائس فبعث إلى مصر برجاء إلى البابا المرقسى أن يرسل أخصائيين فى البناء والزخرفة فسارع البابا بإرسال أكبر عدد منهم وأسرهم فنحتوا له مجموعة من الكنائس فى الصخور الطبيعية لا تزال للآن باقية تشهد على مهارة الفنانين الأقباط وذكر زاهر رياض أنها آية من آيات الفن المسيحى (
13) وذكر بعض المؤرخين أن عدد الذين هاجروا إلى أثيوبيا فى هذا الوقت بلغ 10 الاف نسمة .
وفى تلك الأوقات العصيبة لم يقدر على الثبات فى الديانه المسيحية إلا الذين عندهم إيمان قوى وترك المسيحية خلق كثير ويقول إبن المقفع (
14)
: " أن أكثر النصارى المصريين (يقصد الأقباط ) نزعوا عنهم الغيار والصليب والزنار والركب الخشب , وتشبهوا بالمسلمين فلم يكشفهم أحد ويظن كل من يراهم أنهم قد أسلموا " ويقول إبن المقفع (1
5) : " أن أكثر الأقباط كانوا يذهبون إلى البرية فى الأديره مرتين فى السنة مرة فى عيد الغطاس وأخرى فى عيد القيامة وكانوا يشتهون القربان والتناول كما يشتهى الطفل اللبن من ثدى أمه وكان النصارى فى هذه التسع سنين فى ضيق عظيم وشتم ولعن من المسلمين ويبصقوا فى وجوههم وكان أكثر الأماكن إضطهاداً فى مدينة تنيس وما حولها فإذا مر قبطى عليهم يشتموه ويقولوا : " إكسر الصليب وإدخل فى الدين الواسع" .. وإن نسى قبطى صليبه ومشى بدونه لقى من الهوان والذل الكثير " وكتب إبن المقفع فى موضع آخر (16) :
" وهذه التسع سنين كان فيها الأدب من الرب منها ثلاثة سنين لا يقدر أحد أن يعمل طورون فى جميع مدن مصر إلا فى الأديرة فقط ولم يصبر الأقباط الأبرار على البعد عن الصلوات والقداسات الإلهية والإقتراب من السرائر المقدسة فكانوا يسألون الولاه فى الأقاليم يبرطلوهم ( ويرشوهم ) بالدنانير ويعطونهم الكثير من الهدايا حتى يغمضوا أعينهم ويقيموا القداسات والصلوات ويتناولوا ليلاً وذلك فى الكنائس المهدمة , وكان الأقباط يخبئون كسوة الكنائس وأدوات المذبح فى بيوتهم أما الكتب الكنسية فقد أحرقها الخليفة الحاكم بأمر الله , وبعد ثلاث سنين أخرى بدأوا يدشنون كنائس فى البيوت ويكرزونها سراً ويصلون فيها ويتقربون للسرائر الإلهيه بها ثم بدا الوشاه والحاقدين من الولاة أن يرسلوا إلى الخليفة قائلين : أن النصارى قد بنوا الكنائس فى مصر والريف وكان هو يتغافل عنهم "
الموكب الحزين
ولما لم يقدر الحاكم بأمر الله على القضاء على المسيحية فى أرض مصر أصدر أمراً بطرد الأقباط والمسيحيين واليهود إلى بلاد الروم وذكر المقريزى المؤرخ المسلم (
17) هذا القرار فقال أنه : " أمر بنفى النصارى إلى أراضى الروم " وعندما سمع الأقباط بهذا الأمر دب فى قلوبهم اليأس من هذا الخليفة عديم الرحمه ووصف لنا الأنطاكى (18) الموكب الحزين الذى قام به الأقباط سنة
404هـ 1013 م ويقول جاك تاجر (1
9): " لم يتحمل نصارى مصر من الإضطهاد منذ إحتلال العرب لأرض مصر أكثر مما تحملوه فى عصر هذا الخليفة , ولم يحاول مؤرخ مسلم واحد أن يبرر هذه الأفعال الوحشية , ولقد أراد بعض الذين دونوا التاريخ فى هذه الفترة أن يخففوا من مسؤلية الخليفة بحجة ضعف قواة العقلية غير أن لا يوجد ما يؤكد أنه كان مجنوناً , لعله كان شرس الطباع فكان يجد لذة فى تعذيب غيره " كما نقل جاك تاجر ما قاله المؤرخ يحى بن سعيد الأنطاكى المتوفى سنة 1066 م وبدأ بكتابة تاريخه بعد إختفاء الحاكم بفترة وجيزه – مشهداً وقع بالقاهرة سنة 1012م ويدل على مدى اليأس الذى ملك قلوب الأقباط إزاء إضطهادات الحاكم الوحشية الجنونية فقال : " إجتع سائر من بمصر من الكتاب والعمال والأطباء وغيرهم مع أساقفتهم وكهنتهم , وتوجهوا إلى قصره ( يعنى قصر الحاكم) وكشفوا عن رؤوسهم فى باب القاهرة ومشوا حفاة باكيين مستغيثين يسألونه العفو والصفح , ولم يزالوا فى طريقهم يقبلون التراب إلى أن وصلوا إلى مقرة وهم فى تلك الحال فأنفذ إليهم أحد أصحابه وأخذ منهم ورقه كانوا قد كتبوها يلتمسون عفوه عنهم وإزاله سخطه , فأعاد إليهم الرسول ورد عليهم رداً جميلاً " (20) يعتبر معظم المؤرخون فى العصر الحديث أن رأى جاك تاجر هو الرأى المرجح لأنه بتحليل رد فعله فى كل حدث فى عصرة يمكن القول أنه كان لسبب منطقى منذ قتل برجوان حتى إدعاؤه الألوهيه وإغلاق الأماكن العامة ومنع النساء من الخروج والعبارات المهينة التى كتبها على مساجد السنيين فى مصر وإضطهاده الأقباط لأنه كان يبغى نتيجه سريعه وحاسمه ومؤثرة بغض النظر عن الوسائل المتبعه لأنه يملك وسائل السلطة القوية من أمر وردع بصورة وحشية لم يسبق لها مثيل وهذا ما يسميه مؤرخوا التاريخ الديكتاتوريه الدينية العنصريه الإجرامية ويحاول أنصار الديمقراطية التحذير من هذا النوع من الحكم منذ سقوط الحكم النازى العنصرى
ويقول محمود السعدنى عن الحاكم بأمر الله : " هو واحد من أغرب شخصيات مصر على الإطلاق شيخ المذهب الفاطمى الشيعى وأمه شقيقه بطريك الروم فى أورشليم وبطريرك الروم فى مصر , جن جنونه فجأه وهو يقبع وحيداً فى مغاره على جبل المقطم وشعر بأن هناك صوتاً يناديه ويدعوه إلى التوفيق بين دين النصارى ودين المسلمين وإستخراج دين جديد ولقد بدأ الصبى فى البحث عن هذا الدين الجديد على الفور , وهداه تفكيره إلى أنه ما دام الله واحد أحداً فلماذا لا يتوحد جميع الأنبياء فى واحد فقط ؟ ولماذا لا يكون
الحاكم بأمر الله هو النبى الواحد ؟ ولكن كان القلق ينهش قلوب كل أفراد الأسرة الحاكمة خوفاً من هذا الإنقلاب الذى يوشك الحاكم بأمره أن يقوده ! وكان أكثر أفراد الأسرة قلقاً هى ست الملك عمته وقال بعض المؤرخين إنها ليست ست الملك ولكنها ست النصر أخته وقد إنضم إلى المؤامرة قائد الجيش سيف الدين إبن رواش (
21) " .
وإستمر الخليفة الحاكم يعبث بالأديان ويلعب كما يشاء بخضوع شعبه إلى أن جاء أحد المغامرين من الأندلس إسمه " أبو ركوة " وكان يدعى أنه من بنى أمية , فرفع علم الثورة ضده , فإجتمع حوله عدد غفير من المسلمين السنين وكذلك الناقمين على أفعاله – فما كان من الحاكم بأمر الله وهو الخليفة الحقيقى والواقعى والذى يعى تماما خطورة الموقف إلا أنه كف عن تحدى السنين , بل أنه كف عن إيذاء الناس , بل أنه ذهب إلى خطوة أبعد من ذلك هو أنه ألغى بعض الطقوس الخاصة بالطائفة الإسماعيلية التى ينتمى إليها كما أدخل بعض التقاليد السنية 0
وناقش جاك تاجر (2
2) رأى المستشرقين فى أن : " سبب تسامح الخليفة الحاكم هو إدعاؤه الألوهية "... فقال : " أنه لم يكن إدعاء الحاكم الألوهية إلا نتيجة منطقية لتعاليم مذهب الطائفة الإسماعيلية الشيعى وهذه التعاليم لم تكن جديدة على الفاطميين التى كانوا يستوحونها فى كل وقت وقد وضعت موضع الإعتبار والتنفيذ حين أعلن الحاكم دعوته بإدعاؤه الألوهية " لا مظهر من مظاهر جنونه كما أنه لم يؤدى إعتقاده هذا إلى التسامح لأنه هناك فترة غير قصيره بين إعتقاده بالألوهيه وتسامحه تقدر بأربع سنوات إذا فليس هناك دليلاً على قوه حجه هذا الرأى وخرج جاك تاجر برأى فقال : " يخيل إلينا أن حادثاً خطيراً حدث فى ذلك الحين , فأجبره على التسامح "
أما إبن المقفع الذى عاصر هذه الأحداث فقد قال أنه بعد أن خرج الشماس بقيرة الرشيدى من سجن الدم (
23): " طمأن الأقباط الخائفين وحلف لهم أنه بعد ثلاثة أيام يزول عنهم كل ما فيه من ضرر وكان يبتاع لهم كل ما يحتاجونه من خبز وطعام وماء ويرسله مع خدمه ففعل هذا ثلاثة أيام وفى صباح اليوم الرابع خرج أمر من الحاكم بأمر الله بأن تبايع ( تعامل) النصارى ويشاروا كما جرت عادتهم وكتب سجل بذلك – وكتب أيضاً بأنه من أراد من النصارى أن يمضى إلى بلاد الروم أو بلاد الحبشة والنوبة لا يمنعهم أحداً وكانوا قبلا ممنوعين "
 الخليفة الحاكم بأمر الله يتحول لمحبة المسيحيين
وتسامح الحاكم فى آخر خلافته فسمح للذميين من نصارى ويهود أن يتعبدوا علانية بل ذهب إلى حثهم على إعادة بناء كنائسهم وأديرتهم وزيادة رهبانهم !!
ويذكر الأنطاكى أنه فى عام 411هـ 1028 م توجه الأنبا " صلمون" رئيس دير طور سينا إلى الحاكم وبسط إليه حالة فقر رهبان الدير المذكور وإلتمس منه إعادة الأراضى الوقوفة التى صادرها – فلبى الخليفة الحاكم طلب رئيس الدير , وفى نفس السنة إستأذن الأنبا صلمون بعمارة ديرالقصير وبإعادة الرهبان إليه وإقامة الصلوات فيه , فأجابه أيضاً إلى طلبه وأصدر " سجل " بهذا الأمر إلى " صلمون بن إبراهيم " وصدر هذا الأمر فى شهر ربيع الآخر سنة 411هـ (
24) وفى جمادى الآخرة من هذه السنة أيضاً أصدر " سجل " آخر بإعادة بناء كنيسة القيامة !!
وتبع هذا الأمر أوامر أخرى لبناء الكنائس والأديرة التى دمرت من جديد وتشجع النصارى وطالبوا بإمتيازات أخرى ويقول سعيد الأنطاكى : { لما تسامح الحاكم بعمارة الكنائس وتجديدها ورد أوقافها لقيه جماعة من النصارى الذين كانوا قد أسلموا وطرحوا أنفسهم عليه وهم مسترسلون للموت .. وقالوا له : " إن الذى دخلنا فيه من التظاهر بدين الإسلام , لم يكن برغبتنا أو بإختيارنا فنحن نسأل أن تأمرنا بالعودة إلى ديننا إن رأيت ذلك أو تأمر بقتلنا " } " فأمرهم للوقت بلباس الزنار ولباس السواد وحمل الصلبان وكان كل منهم قد أعد عدة غيار ثيابه " (2
5).. وقال الأنطاكى أن عدداً قليلاً من الناس لم يحذوا حذوهم خوفاً من أن يكون الحاكم يريدون الإيقاع بهم وقتلهم حيث أن الديانه الإسلامية تأمر بذلك فى قانون الردة حسب الشريعة الإسلامية , ولكن بناء على إقتراح الأنبا صلمون أكد الحاكم حسن معاملته للنصارى 0
وقال إبن المقفع (
26) : " كان هدم الكنائس فى سنة 727 شهداء وفتحت وأمر ببنائها سنة 736 شهداء 0"
حصير الرهبان
وكان من عاده الرهبان صناعة الحصير وهو عباره عن نبات برى ينمو فى التلال والأكمة حول الأديره يجمعه الرهبان ويجدلونه بخيوط ليصبح مثل سجاد وموكيت اليوم وكان الحصير يفرش به المنازل والمساجد فى ذلك العصر وقال ابو المكارم فى مخطوطه (
27): " وعادة الرهبان بهذه الأديرة عمل حصر من البردى الذى ينبت فى الوادى بهذه البرية خاصة للجوامع والمساجد بمصر وجزيرتها وتحمل إلى الباب فى المراكب إلى المقسم وتحمل منه على الجمال ويحضر لإستلامه قاضى قضاة المسلمين وجماعة الفقهاء والعدل ويجلس الخليفة فى المنظرة فى علو باب الذهب لمشاهدتها ثم تقسم بعد أن تعتبر جميعها وحينئذ يفرقها قاضى القضاة ويدفع لهم الثمن عنها من بيت المال وهو عن كل ألف ذراع سبعة دنانير وثلث وربع وهى فى السنة مائتى حصير طوال كل حصير 25 ذراع فى عرض 5 أذرع مما كان رتبه الحاكم بأمر الله وهو الثالث من الخلفاء بمصر والسادس فى الغرب . "
الحاكم بأمر الله يؤسس مكتبة ضخمه وهيئة علمية
أنشأ الخليفة الحاكم بأمر الله (2
8) هيئة علمية إحتفل بإفتتاحها سنة 1005 م – 395 هجرية كما أسس مكتبة كبيرة فيها الكثير من المؤلفات العلمية والفنية المختلفة ووضع فيها كتبة ماهرون ينسخون العديد من الكتب , غير انها لم تلاقى قبولاً لمن ينشدون التمسك بالقديم , ولما كان المسلمين المصريين يدينون بالسنية ويختلفون عن الشيعة فقد إبتعد غالبيتهم عن الإسهام أو الإستفاده بهذه الطفرة العلمية التى أحدثها هذا الحاكم .
وقد أبطلت هذه الهيئة من الوجود سنة 1112 م أبطلها رجل يقال له الفضل لما رأى فيها تعاليم مخالفة لعقائد الإسلام ولكن المسلمين أعادوها إلى سابق مجدها واسسوها على قواعد متينة وإستمرت فى فى القيام بهدفها حتى تلاشت بتقلص حكم الدولة الفاطمية فى مصر.
أمثله للأوامر العجيبة والغريبه التى أصدرها
:-
• أمر بإضاءه الشوارع والطرقات ليلاً ولما بلغه أن بعض العامه إستغلوا إضاءه للعبث والمجون حرم على الناس فتح محلاتهم ليلاً وأمر بعدم خروج الرجال ليلاً بعد العشاء حتى مطلع الفجر .
• أمر بإبطال كل أنشطه اللهو على شواطئ الخليج المصرى .
• هدم جميع كنائس النصارى فى جميع بلاد خلافته وأن يحمل ما فيها من أوانى ذهبية وفضية إلى قصرة .
• لا يبايعوا النصارى شيئاً ولا يشاوروهم فى أى أمر .
• أمر بأن لا تخرج إمرأه من بيتها فى أى وقت من الأوقات لا إلى الأسواق أو إلى الحمام أو السير فى الجنازات أو إلى أى مكان آخر كما حظر عليهن التطلع من النوافذ أو الوقوف فوق أسطح المنازل ولمنع النساء من السير فى الطرقات أصدر أوامره إلى صانعى الأحذية بعدم صناعة الأخفاف ( جمع خف وهو ما يلبس فى أرجل النساء ) وإذا أمسكت إمرأه خارج بيتها ليلاً أو نهاراً تسلم إلى متولى الشرطة الذى يقوم بدوره بتأديبها أدباً يؤدى إلى موتها ومن كيد نساء مصر له عندما منعهن من الخروج فقد كن يصنعن تماثيل من النساء ويوقفوهن فى الطريق الذى يسلكه وفى أيدى التماثيل أوراق مكتوبه يشتموه فيها ويسبون أخته وكان فى كل مرة يمر يأخذ الأوراق من أيدى التماثيل ويقرأها فإغتاظ فأمر بإحراق مصر ونهبها.
• لا تؤكل الملوخية ( وكان يطاع هذا الأمر فى الأماكن العامة ولكن كان يخالف فى داخل البيوت ) وأضاف أسقف فوه المؤرخ (1) ولا يؤكل كيب ونفاع ولا دسكس ولا جزبر 0
• لا يشرب النبيذ فكتب سجلات أرسلت إلى الأقاليم – فكسرت الأوعية المملوءه بالنبيذ فى كل أرض مصر كما منع شراء عنب بأكثر من أربعة أرطال دفعة واحدة وأمر بإتلاف أشجار الكروم وذلك بعدم ريها فى الوجه البحرى كله ومنع إستيراد الزبيب حتى لا يصنع خمراً منه ويقدم النصارى ذبائحهم .
• أمر ألا يصيد الصيادون سمكاً بدون قشر .
• وبينما هو مجتاز يوما قفز قدامه كلب فجفل الحمار الذى يركبه فأصدر أمراً بقتل كل كلب فى مصر – ومن الأشياء العجيبه التى حدثت وذكرها إبن المقفع
(29) أن كلب صاح صيحة عظيمة فإجتمع إليه كل الكلاب فى القاهرة وإتجهوا إلى الجبل الشرقى ( المقطم )
• أمر بقتل الخنازير التى فى كل أرض مصر فقتلوهم جميعاً لا سيما فى منطقة بشمور .
• أمر بمنع الألقاب خاصة ذكر مولانا وسيدنا لشيوخ مصر أو للمكاتبات التى توجه إليه وحرم تماما بألا يقبل أحد الأرض بين يديه كما كان متبع فى عصره .
• لا يعجن خبز بالأرجل .
• لا يذبح بقر إلا فى عيد الأضحى .
• القتل عقوبة كل من يقاوم أو يخالف الأوامر السابقة .
راجع السجل الحاكمى فى قسم الوثائق فى الجزء الثالث من تاريخ اقباط مصر
---------------------------------------------------------------------------

(1) فأرميا بطرك أورشليم الملكى وأرسانيوس بطرك مصر الملكى هما شقيقا إحدى زوجات العزيز الملكية (ليست قبطية) وهى والده الحاكم بأمر الله لهذا يعتبر أرميا خاله
(2) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 الجزء الثانى ص 95
(3) الخطط للمقريزى ج2 ص 287

(4) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م إعداد د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951ص 129
(
5) Michaud, histoire des Croisades, 7c e'dit,1,p.24
(
6) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م إعداد د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951ص129
(
7) تاريخ سعيد بن البطريق- نشره الأب شيخو طبع ببيروت 1909 تاريخ سعيد بن يحى الأنطاكى تابع تاريخ سعيد بن بطريق ص 195

(8) شرحه المقريزى فى ج2 ص 287 = 295 – وخط راشدة والمقس كانا من الأحياء الواقعة خارج مدينة القاهرة , كما أن المقريزى علق على السلب والنهب الذى حدث إذ ذاك فقال " فإنتهبوا منها ما يجل عن الوصف
(
9) تاريخ سعيد بن البطريق- نشره الأب شيخو طبع ببيروت 1909 تاريخ سعيد بن يحى الأنطاكى تابع تاريخ سعيد بن بطريق ص 195
(
10) كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900 الجزء الثالث ص 29-31

(11) بنى هذا الدير الإمبراطور أركاديوس الرومانى على سفح المقطم شرقى طره تذكار لأرسانيوس معلم أولاده الذى كان مدرساً له وإعتكف عن الحياة العامة فى الثلاثة سنين الأخيرة من حياته داخل كهف كما ذكرت بعض الكتب وتوفى فيه وعلى هذا الكهف بنى الإمبراطور الكنيسة التى صارت بعدئذ أشهر الأديرة المصرية فى التاريخ , ودعى كنيسة القيصر أو دير القيصر بإسم يوحنا القيصر القديس المشهور عند الأقباط وقد هدمت الكنيسة والدير بأمر الحاكم أسوه بغيرها أثناء الإضطهاد العام وأعيدت بعد ذلك ودعى بدير البغل ولذلك سبب عجيب هو أن لهذا الدير بغله يضعون على ظهرها القرب كل صباح ويطلقونها فتذهب إلى النيل بغير قائد لعدم خروج الرهبان من باب الدير وصرامه القوانين وتقف هناك حتى يأتى الفعله أو أى أحد يمر بقربها فيملأ القرب ويضعها على ظهرها فتعود إلى الدير فكان الناس يعرفون هذه البغله أنها بغله الدير وإسم الدير يدير البغلة وهكذا تذكر الناس والتاريخ هذا الدير على صفحات المؤرخين ولا تزال خرائب هذا الدير باقية حتى الآن

(12) كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900 الجزء الثالث ص 31-33
(
13) كنيسة الأسكندرية فى أفريقيا – زاهر رياض ص 98-99
(
14) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 ج2 108:

(15) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 ج2 ص 112
(
16) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 ج2 ص113
(
17) المواعظ والإعتبار فى ذكر الخطط والآثار للمقريزى 0 طبع بولاق 1272هجريه الجزءالثانى ص 496
(
18) تاريخ سعيد بن البطريق- نشره الأب شيخو طبع ببيروت 1909 تاريخ سعيد بن يحى الأنطاكى تابع تاريخ سعيد بن بطريق ص188

(19) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م إعداد د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951ص 131
(2
0) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م إعداد د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951ص 131

(21) راجع مصر من تانى – محمود السعدنى – دار كتاب صدر عن دار أخبار اليوم ص 34
(2
2) أقباط ومسلمون منذ الفتح العربى الى عام 1922م إعداد د0 جاك تاجر د0 فى الآداب من جامعه باريس القاهره 1951ص 132-133
(
23) ) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 ج2 ص 108

(24) تاريخ سعيد بن البطريق- نشره الأب شيخو طبع ببيروت 1909 تاريخ سعيد بن يحى الأنطاكى تابع تاريخ سعيد بن بطريق ص 299
(2
5) تاريخ سعيد بن البطريق- نشره الأب شيخو طبع ببيروت 1909 تاريخ سعيد بن يحى الأنطاكى تابع تاريخ سعيد بن بطريق ص230- 232
(
26) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 ج2 ص 115

(27) كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900 الجزء الثالث ص 25
(2
8) تاريخ ابوالمكارم تاريخ الكنائس والأديره فىالقرن 12 بالوجه البحرى طبع سنه 1999 ج1ص 107

 (29) تاريخ الآباء البطاركة – للأنبا يوساب أسقف فوةه وهو من آباء القرن الثالث عشر – أعده للنشر للباحثين والمهتمين بالدراسات القبطية الراهب القمص صمؤيل السريانى والأستاذ نبيه كامل ص 98

========================================================================================

الفصل ا
الرابع : الضرب فى الميت حرام

كان معظم الكتاب الذين يمسكون دفاتر الحكومة فى هذا العصر من الأقباط وكان رئيسهم إسمه غبريال أبو نجاح وهو فى درجه رئيس ديوان الحكومة الآن فقال له الحاكم يوماً : " أريد أن تتخلى عن دينك وتنكر مسيحك وتصير مسلماً فأجعلك وزيرى وتدبر أمور خلافتى ومملكتى " فقال له أبو نجاح : " إمهلنى إلى الغد حتى أشاور روحى " فأمهله وتركه يمضى فذهب أبو نجاح إلى منزله وأحضر اصدقائه وعرفهم ما جرى له معه وقال لهم : " أنا مستعد للموت على إسم السيد المسيح له المجد , ولم يكن غرضى فى إمهالى للغد مشورة روحى , وإنما قلت هذا حتى أجتمع بكم وبأهلى , وأودعكم وأودعهم وأوصيكم وأوصيهم .. والآن يا إخوتى – لا تطلبوا هذا المجد الفانى فتضيعوا مجد السيد المسيح الدائم الباقى , فقد أشبع نفوسنا من خيرات الأرض , هوذا برحمته دعانا إلى ملكوت السموات .. فلتقوُا قلوبكم فقد أتت الساعة لنشهد له " فقوى قلوب أصحابه وثبتهم ليموتوا على إسم السيد المسيح , وأعد لهم فى ذلك اليوم وليمة عظيمه وأقاموا عنده إلى العشية ومضى كل واحد لمنزله 0
وفى الغد ذهب أبو نجاح إلى الخليفة فقال له الحاكم بأمر الله : " يا نجاح هل طابت نفسك " قال : " نعم " قال له : " على أى دين ثبت رأيك " قال : " بقائى على دينى " فحاول الخليفة إستمالته بشتى الطرق بالترغيب مرة والترهيب مرة أخرى أن يجبرة ليغير رأيه ويترك مسيحيته ويصير مسلماً فلم يفلح ولم يقدر أن يميل نيته وتمسكه بالمسيح .. فأمر أن تنزع عنه ثيابه وأن يشد على الهنبازين ويضرب .. فضربوه 500 سوط وقال إبن المقفع : " أن جسمه كان ناعم وتقطع لحمه وسال دمه مثل الماء , وكانت السياط من عروق البقر لا يحتمل الجبار منها سوطاً واحداً فما بالك ذلك الرجل المتنعم
المرفه " .. وأمر الخليفة أن يضرب حتى يتم ألف سوطاً وبعد أن ضربوه ثلثمائه سوط آخرين قال أبو نجاح : " أنا عطشان " فكفوا عن ضربه وذهبوا إلى الخليفة وأعلموه بطلبه فقال الخليفة : " إسقوه بعد أن تقولوا له إعتنق ديننا أولاً " فقالوا له ما أمرهم به الخليفة قال لهم أبو نجاح : " أعيدوا له ماؤه فإنى غير محتاج إليه لأن سيدى يسوع المسيح قد سقانى " وشهد القوم الذين ينفذون أوامر الخليفة وغيرهم أنهم أبصروا ماءً يسقط من على لحيته .. ولما أتم القول السابق سلم روحه فأعلموا الملك القاسى القلب بوفاته فأمر بأن يضرب تمام الألف سوط وهو ميت فضربوا الجثه المائتين الباقيتين من تمام الألف وهكذا تمت شهادته .. بركاته تكون معى ومعكم يا أبآئى وإخوتى آمين 0
ووضع الخليفة قلبه على العشرة كتاب أصحاب أبو نجاح فطالبهم أيضا بترك دينهم وإلا ينتقم منهم كما فعل بأبو نجاح فلم يطيعوه فأمر بعذابهم وضربوا بالسياط فلما تزايد ضرب السياط عليهم وآلامه أسلم منهم أربعة مات واحد منهم فى ليلتها أما الثلاثة الآخرون فقد رجعوا إلى مسيحيتهم بعد إنقضاء ومن الإضطهاد أما السته الباقون فقد ماتوا وهم يضرٌبون بالسياط وبذلك إسنشهدوا على إسم المسيح بركاتهم تكون معى ومعكم يا أبآئى وإخوتى آمين 0
قبطى واحد فقط شجاع هو الشماس بقيرة الرشيدى 00 الشهير بإبن بقر
فى وسط نار إضطهاد هذا الحاكم المسلم ظهر قبطى شجاع واحد فقط كان
هو الشمعة التى جعلت الإيمان المسيحى لا ينقرض من أرض مصر إنه الشماس بقيرة الرشيدى فهو شماس وكان أحد رؤساء الكتاب الذى يعنى وزيراً فى هذه الأيام فترك ديوان الخليفة وإستعفى من خدمته وحمل الإنجيل على صدره وصليب من الخشب فى يده وسار إلى قصر الخليفة صائحاً بأعلى صوته : " المسيح إبن الإله الحى 00 المسيح إبن الإله الحى " فلما سمع الخليفة صوته إغتاظ فأمر بإحضاره وأمره بإنكار دينه ويعتنق الإسلام فرفض واعلن إيمانه وصار يصرخ ثانية المسيح إبن الإله الحى ووصف لنا كتاب تاريخ البطاركة موقف القبطى الشجاع قائلاً (2) : " كان بقيرة كالصخرة القوية التى لا تضطرب وكان كلما خاطبه الخليفة الحاكم زاد صياحة قائلاً : " المسيح إبن الإله الحى " فأمر الحاكم أن
يلقى فى سجن الدم ويطوق عنقه بسلسلة حديدية ويلقى وكان بقيرة قوياً فى علاقته بربنا وبالرغم من السجن والسلاسل التى لا تجعله يجلس فقد كان دائماً يصلى فهذا هو وضع الصلاة .

شاهد لآلام الشماس بقيرة الرشيدى

كان شخص قبطى يعمل رئيس للنشارين قبطى إسمه مينا إستطاع أن يحصل على إذن ليزور البابا البطريرك فى السجن وكان بقيرة فى السجن الداخلى ( وهو مكان التعذيب وكان يطلق عليه فى السجن إسم سجن الدم ) وقد رأى بقيرة مكبلاً ومقيداً بالحديد ومشدوداً إلى وتد كبير مضروب فى الأرض قائم يصلى بالرغم من ثقل الحديد فى يده كان يصلى من كتاب ووجهه للشرق وكان فى نشوة روحية عميقة وعجيبة – ولما رآه بقيرة طلب منه أن يبلغ أسرته أنه سيكون معهم فى تلك الليله بل وقبل مغيب شمس ذالك اليوم 00 وكانت هذه نبوءه من رجل الصلاة الشماس بقيرة الرشيدى فقد أصدر الخليفة الحاكم بأمر الله مرسوماً بالإفراج عنه ومنحه الحرية أن يتجول حيث يشاء وأن يشتغل ما يروق له من المهن دون أن يتعرض له أحد 00 ,وإختار بقيرة الرشيدى أن يكون عمله هو مقاومة نار الإضطهاد الإسلامى ففتح دكانا لبيع القمح والأطعمة - وخرج بقيرة يطوف بعائلات الأقباط يمسح دموعهم ويقويهم ويشددهم ويعزيهم وسط شدائد الإضطهاد وضيقه وكان يوزع من دكانه على الفقراء والمحتاجين وكان يرسل كميات من القمح الوافره إلى بيوت الأغنياء الذين أخنى عليهم الدهر– وقد أنبأهم أنه بعد ثلاثة أيام سوف يرفع الرب الإله هذه الشدة 0

التــــاريـخ يـــخـلـد أعــــمـال بــقـيرة الرشـــيـدى

إن بعض الرجال لا يذكرهم حتى أقرباؤهم والبعض يذكرونهم بالخير خلال حقبه قليله من الزمن أما القليلين فيذكرهم التاريخ فى عصور لاحقه من خلال أعمالهم ومنهم الشماس بقيرة الرشيدى ومن أعماله :
(
3) كان الشماس بقيرة أحد أربعة ساعدوا الأسقف ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونيين فى جمع وكتابة سير البطاركة حيث أنه كان كاتباً – وقد تم نقله وترجمته من أصوله اليونانية والقبطية ومن كثير من المخطوطات التى كانت متوفره فى هذا الوقت وكان الأنبا ساويرس قد عاصر أوائل باباوية البابا شنودة الثانى (رقم 65) ولم يبلغ أحد من الأساقفه شهرة الأنبا ساويرس بسبب هذا العمل الشاق لأنه كان علامة فى اللغة اليونانية ومتبحر فى اللغة القبطية ومتضلعاً فياضاً فى اللغة العربية ملمأً بعلومها وأسرارها وقد ولد 915 م ورسم أسقفا فى باباوية البابا مينا الثانى ( رقم 61 ) وعاش ما يقرب من مائة عام وقد قال الأنبا ساويرس فى هذا الشأن : " هيأت لى العناية الإلهية الفرصة لأن أجمعها ( سير البطاركة ) كلها فى كتاب واحد , وقد شاء الآب السماوى أن يمد فى عمرى حتى بلغت التسعين فإستطعت بهذه النعمة أن أتمم وضع هذا الكتاب (4) " وكان أحد أمراء الأتراك المسلمين إستولى على رأس مار مرقس رسول المسيح له المجد لأرض مصر وأتى بها إلى مصر فإشتراها بقيرة الرشيدى منه بمبلغ ثلثمائة دينار وأرسلها إلى البابا زخارياس ( رقم 64) الذى كان يوجد فى دير القديس مكاريوس وكان وقتها هارباً من بطش الخليفة المسلم الحاكم بأمر الله (5)0

الديانه الطاهرة النقية .. هى:
إفتقاد اليتامى والأرامل فى ضيقتهم
(1) والمحتاجين


بدأ الشماس بقيرى رئيس كتاب الديوان خدمته فى أعمال رحمه لا تعد ولا تحصى بعد خروجه من سجن الدم وقد وصل إلينا عملين فقط هما:
(1) الرغيف الأخير :
كان من عادة بقيرة أن يشترى خبزاً كثيراً ويوزعة على الفقراء ويبقى لنفسه رغيفاً واحداً – وكان من عادته أيضاً أن يصوم حتى المساء فجلس فى آخر اليوم ليأكل الوجبة الوحيده بهذا الرغيف المتبقى , فسمع طرقاً على الباب فقال لغلامه : " إبصر من يطرق الباب " ففتح الغلام الباب فوجد إنساناً يستر وجهه فقال له : " قل للشيخ بقيرة نسيتنى اليوم وما عندى ما أفطر به" – فدخل إلغلام وأعلم الشماس بقيرة بما قاله الرجل فما كان من محبته ورحمته للفقراء إلا أن أعطى الرغيف الوحيد للسائل وبات هو جائعا طاوياً ( صائماً ) إلى الليل لثانى يوم 0
(2) شهادة السيد المسيح بأن بقيرة هو وكيله الأمين
علم بقيرة يوماً أن قبطياً غنياً قد أحنى عليه الدهر وإفتقر وفقد ماله ولم يبق له شيئ إلا الثياب التى تستر جسدة وجسد عائلته وأنه فى حاله من الضنك يرثى لها ولم يستطع أن يطعم بيته , فأرسل له عشرة أرادب من القمح مع غلامه
الذى أفرغها أمام زوجته فسألته غلام من أنت فقال : " أنا أعمل عند بقيرة الرشيدى رئيس الكتاب "

 ولم يكن هذا الرجل موجوداً فى المنزل , فلما عاد الرجل وأخبرته زوجته بأمر القمح ومن أرسله إنزعج وصعبت عليه نفسه وبدأ يبكى بكاءاً شديداً ومراً على حالته وفقره لإفتضاح أمره , فراحت زوجته تهدئ من خاطره وفى النهاية طلبت منه أن يقوم ويصلى كعادته وإذا أراد يرد القمح إلى صاحبه بقيرة فى اليوم التالى صباحاً , ثم نام الرجل وراى فى تلك الليله فى حلماً السيد المسيح له المجد قائم أمامه وقال له : " لماذا أنت حزين ومتوجع القلب من أجل القمح " فقال له : " وكيف ياسيد لا يوجعنى قلبى وأنا من بعد ذلك الغنى والرحمة التى كانت لى ... وقد إنتهى بى الأمر إلى هذا الفقر حتى صرت أتصدق , فمن ألأفضل أن أموت بالجوع أفضل من هذا " فقال له السيد المسيح : " لا تحزن فإن هذا القمح ما هو لأحد بل هو لى وأنا أرسلته لك على يد وكيلى " قال له : " يا سيد ما جائنى من وكيلك بل من بقيرة الرشيدى الكاتب هو الذى أنفذه إلىَ " فقال كلمة الله : " كأنك لم تعلم حتى الآن أن بقيرة الرشيدى هو وكيلى الأمين ؟ !! " وعندما إستيقظ الرجل فرح فرحاً عظيماً وأعلم زوجته بحلمه فى المنام وعلما أن الرب لم ينسهما وطاب قلبهما بهذا العمل الإلهى عن طريق وكيلاً أمينا محباً للمسيح 0
----------------------------------------------------------------------------

1) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع نشره سيبولد طبع ببيروت عام 1904م وطبعه ايفتس Evetts طبعه باريس1904 ج2 ص 104

(2) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 ج2 ص 108

(3) قصة الكنيسة القبطية - د/ أيريس حبيب المصرى – الكتاب الثانى – الطبعة السابعة – مطبعة الكرنك – رقم 4602 سنة 1975 م ص 444- 445
(
4) القديس البابا زخارياس البطريرك 64 – إعداد الراهب القس زخارياس الأنطونى – المطبعة دار الطباعة القومية بالفجالة – رقم الإيداع 9271 سنة 1994
(
5) يعقوب 1: 27

========================================================================================

الفصل  الخامس : البطريرك الأنبا زخارياس لبابا رقم 64

عاصر هذا البابا الخليفة المسلم الحاكم بأمر الله الذى سمى أيضا الإمام المنصور وإبنه الخليفة الظاهر وجلس على كرسى مرقس رسول المسيح لأرض مصر حوالى 27 سنة و 11 شهراً
عندما كان كرسى الإسكندرية خال إجتمع السنودس ( المجمع المقدس) ليختاروا بطريركاً وفيما هم يتشاورون كان رجلاً قبطياً تاجراً غنياً أسمه إبراهيم إبن بشر له كرامة ومعزة عند الولاة وأولى الأمر وكانوا يطيعونه عندما يريد شيئاً لأنه كان يقدم لهم الهدايا فطلب منهم أن يصير بطريركاً فكتبوا له سجلاً ( أمراً ) ووكلوا إثنين من الأساتذة يساعدوه فيما كان يريد ويلزموا الإسكندريين برغبته فى أن يكون بطريركاً بدلاً من المتنيح البابا فيلاتاوس ( البابا رقم 63)– ويعتقد أن إختيار البطرك كانت مقسمة ما بين مصر ( القاهرة) والإسكندرية وكانت هذه المرة نوبة الإسكندرية فى إختيار البابا وطاب قلب مجموعه من أهل الإسكندرية لإبراهيم إبن بشر وكتبوا لأساقفة مصر بذلك فلما قرأوا الخطاب لم يوافقوا على رايهم وصعب عليهم أن يرفضوا لأن هذا من حق مدينة الإسكندرية لهذا قرروا إيقاف الأمر بطريقة أخرى وهى أن ينسحبوا من المجمع المقدس ويذهب كل واحد إلى كرسيه 0
وبينما هم مجتمعين فى كنيسة مار مرقس الإنجيلى ( القمحا) وكان بالإسكندرية فى كنيسة الملاك ميخائيل رئيس الملائكة راهب قس كبير فى السن إسمه زخارياس ( زكريا) وكان قيم جميع كنائس الإسكندرية وكان الأساقفة يقيمون عنده فى الكنيسة وكان يخدمهم مدة إقامتهم بالإسكندرية وكان رجلا لا يلتفت أحد إليه ويقول إبن المقفع (1) عنه: " لم يكن له وقع فى نفوسهم ولا كان له قدر عند الكهنة وكان كل واحد يستخدمه فيما يحتاجه ولكن الله صانع العجائب هو وحده الذى إختار داوود من مرعى الغنم وأجلسه كرسى الملك "
على صعد هذا الإنسان المتواضع الغير مختار إلى أعلى دور فى الكنيسة حيث الحجرة المخصصة للخزين وذلك لإحضار جرة خل للطباخ الذى يجهز الطعام للأساقفة وفيما هو نازل من السلم حاملاً الجرة زلقت رجله ووقع والجرة معه ولكن الجرة لم تنكسر ولم ينسكب منها شيئاً خاصة أن الفخار لم يكن محكم القفل فى تلك الأيام ولما شاهد جميع الحاضرين هذه الأعجوبة (
2)
فقال الأساقفه وجميع الحاضرين فى فم واحد لما أبصروا هذه الأعجوبة : " هذا هو الذى يستحق الباباوية .. هذا بالحقيقة رجل إلهنا " ثم سألوا أهل الإسكندرية عنه وعن سلوكه وأخلاقه فقالوا كلهم : " ما سمعنا عنه قط كلمه سوء بل هو فقير وبائس وطاهر نقى وجيد أن يرشم هذا الذى هكذا أفضل ممن يأتينا بيد قوية وأمر سلطانى فيعاملنا كالعبيد " فإتفق أساقفة مصر والإسكندرية على رسامته فأخذوه وقسموه بابا فى شهر طوبة سنة 716 ش و 1004م 0
وفى عشية ذلك اليوم وصل إبراهيم إبن بشر بالسجل ومعه إستاذين بصحبته فلما إقترب من وسط المدينه قابله أحد أقاربه وقال له : " قد رسم بطرك " فقال : " منْ هو ؟ " فقال : " زخاريا القس الذى فى كنيسة ميكاييل النوبه " فلما سمع إرتعد وإرتعش ولم تفارقه الرعده بقية أيام حياته ومضى إلى بيته وهو فى حال سيئه وإعتل ومرض وبلغ الخبر الأساقفة فتعجبوا .. ولكنهم خافوا من سطوة السلطان وجبروت الخليفة الحاكم فقالوا : " ماذا نفعل ؟ " فأشاروا على البابا زخراياس أن يطيب قلبه بالأسقفية ليأمنوا غضب الخليفة وقالوا : " يا إبراهيم ابن بشر إن أمر رسامة البابا كان من عند ربنا ..
والآن فأول كرسى يخلوا من أسقفه فى هذا الأقليم تصير عليه أسقفاً ثم قسموه أغومنس وألبسوه السواد , وحدث أن خلا كرسى منوف العليا فأقاموه عليه أسقفاً وقال القس منسى يوحنا (
3): " أنه رسم فيما بعد أسقفاً على مدينة ممفيس - واقام الأنبا زخارياس مدة سبع سنين والكنيسة هادئه وفى سلام .
فإذكر من أين سقطت وتب وإعمل الأعمال الأولى
وإلا فإنى آتيك وأزحزح منارتك من مكانها إن لم تتب
(4)
يقول إبن المقفع (
5) يصف حال الكنيسة : " ولم يصبر الرب على أفعال الرعاة من كهنة وأساقفة الذين كانوا فى ذلك الزمان فأنزل ربنا غضبه على الكنائس بسببهم لأنهم صاروا مثل الولاة وتسلط الأساقفة على الكهنة والشعب وإختلقوا الحجج لجمع المال بكل وجه وبكلطريقة وتاجروا بكنيسة ربنا لمحبة الفضة والذهب وباعوا موهبة إلهنا بالمال فخسروا ولم يربحوا "
أمثله لما كان يحدث فى الكنيسة فى هذه الأيام :-
إذا كان هناك قيماً يعمل فى كنيسة وأراد أحدا ًمعه مال وزاد ديناراً أو دينارين أكثر من القيم الموجود طردوه وعينوا الذى دفع أكثر حتى ولو كان القيم الأول مهتم بأمور الكنيسة ويسلموها لمن لا يصلح للخدمة بسبب الدينارالزائد 0
وقيم آخر كان سكيراً ويشرب خمر الأباركة الصافى ويخلط المترسب فى الجرار منه ( المعكر) بالماء ويصفيه ويقدمه للكهنة يرفعة للهيكل 0
أما الكهنة فكانوا يرفعون على الهيكل قرباناً يكفى لطول الأسبوع حتى يفضل منه الكثير حتى لا يتعبوا بإقامة قداسات ويظل القربان فى الكنائس حتى يعفن وهذا كان بسبب أن الأساقفة كانوا يرسمون للكهنوت من لا يصلح ولا يفهم لكى يجمعوا المال 0
وأسقف طانة وإسمه الأنبا مينا ( سكن البابا فيلاتاوس فى دارة بدمرو (
6) ) وكان قد جلس على كرسى الأسقفية عدة سنين وكان يكنز المال حتى شاخ وعندما أحس بنزعات الموت قسم ما جمعة من المال فى مدة أسقفيته على أربعة أقسام ودفنه فى أربعة مواضع وكان له أخ إسمه مقارة أسقف منوف وكان كاتب السنودس( المجمع ) (7) فأرسل إلى أخيه لكى يحضر بسرعه وكان يترقب وصوله وعين إنساناً ينظر الطريق فإنتظرة يومين وعندما لم يأتى كتب أربعة رقاع (7) ومسكها فى يده لحين حضور أخيه ليعطيها له فلما تأخر ولاحقته زفرات الموت قال لتلميذة : " أنظر لعل أخى وصل " فخرج التلميذ وعاد وقال له : " لم يصل " فقلق ووضع رقعة من الرقاع الأربعة فى فمه ومضغها ورماها ثم قال لتلميذة : " أترى هل جاء أخى ؟ " فخرج وعاد وقال : " لم يصل " فمضغ الورقة الثانية ورماها وهكذا فعل بالورقة الثالثة وبقى فى يدة ورقة واحده فقال للتلميذ : " إنظر إن كان أخى قد وصل " فخرج للطريق وتأخر عليه قليلاً فأحس الأسقف بصعوبة الموت ونزاعه فرمى الرقعة الرابعة والأخيرة فى فمه فلما دخل اخوه أعطاها له وقال : " الرب لا يؤاخذك ويغفر لك فقد ضيعت مالاً فى ثلاث رقاع لأجل غيبتك عنى " فلما قال هذا خرجت روحه فكفنه ودفنه –
وذكر أسقف فوه المؤرخ (
9) أنه لما تنيح مينا أسقف طانا السابق ذكره قال أخيه مقارة الأسقف للبطريرك : أشير عليك أن تكرز واحد أسقفاً من أصحابك مكان أخى ودمرو بلدك من كرسيها فيبقى هناك فتكون مكرما فى دمروا ففعل مشورته وكرز أبوه الراهب على كرسى طانا وكان الكتاب الأقباط مقربين من السلطان قرروا ألا يرسم أسقفاً إلا برأيهم لئلا يأخذ مال ممن لا يستحق وليس معه المال فلما سمعوا برسامة أسقفا بدون مشورتهم فشكوه للوزير فقبض على البطريرك وحبسه ولم يطلقه حتى دفع 3 الآف دينار 0
وذهب الأسقف مقاره ليخرج المال الذى دفنه أخيه الأسقف مينا فوجد عشرة الآف ديناراً مالاً مدفون فى المكان الذى حددته الرقعة الرابعة , وكان
مقارة الأسقف رجلا باراً تقياً يحب الكنيسه فأخذ المال وبنا به أسكناً على إسم أبى مقار بوادى هبيب وهو الهيكل الجميل وكائن قبلى هيكل بنيامين وتصدق بأموالاً كثيره وبنا كنائس كثيرة فى قرى مصر ونجوعها وحينما حضر يوم وفاته سألوه : " هل معك شيئاً توصى به ما نفعله به ".. فقال : " الرب شاهد على إننى وجدت لأخى عشرة الآف دينار وقد أنفقت جميع ذلك على أولاد الرب وكنيسته ولم يبق معى إلا ديناراً واحدا ورباعى (
10) وعندما أنتقل من هذا العالم أعطوه للكهنه الذين سوف يصلون على جثمانى "
ومن الأعمال السيئه للأسقف مينا أسقف طانه السابق ذكره أنه لم يكتفى بجمع المال فقد حدث أنه فى كوم ( قريه صغيرة) بين بشيش وشبرا بها عشرة بيوت يسكنها الأقباط كانت تقع على حدود إيبريشيته أو على حدود كرسيه وكرسى سمنود فبنوا هناك كنيسة صغيرة طولها خمسة أذرع من الطوب اللبن (
11) فلما سمع أسقف سمنود ذهب إليها وبنى مذبح هناك وسمع مينا الأسقف فذهب إلى هناك وهدم المذبح الذى بناه أسقف سمنود وبنا مذبح غيره فصعب على أسقف سمنود ما حدث خاصة أن البلده المذكورة كانت تتبع كرسيه فذهب هناك فى وجود الأسقف مينا ومعه جماعة وتخاصموا وتقاتلوا حتى سفكت دماء الأقباط فلم يكتفى الأسقف مينا على جمع المال وبالرغم من غنى أسقفيته بكنائسها نظر إلى كنيسة صغيرة تتبع أسقف غيره ويقول إبن المقفع (12) : " أن الرب الإله أنزل غضبه على ذلك الكوم وأخربها إلى الآن وإسم الكوم سنجرا " ولم يذكر لنا إبن المقفع كيف خُربت تلك البلدة0
وإغتنى الرعاه وقل التعليم فى الكتب المقدسة ولم يرتدع أحداً وذهب كل واحد فى طريقه لا يهتم بما يفعله الآخر فلا يقول له : " أخرج القذا من عينيك خوفاً من أن يرد قائلاً : أخرج الخشبة التى فى عينيك أنت أولاً " وبدلاً من أن يختاروا من له العلم والمعرفه والتقوى ليمسحوه كاهناً إنقلبت الأمور وغشوا فى الموازين وحينما كانوا يختارون صار الفهيم والعالم غير معدود ومهملاً معهم بينما الأحمق والجاهل مكرماً ومبجلاً عندهم لا سيما إذا كان غنياً موسراً فأنزل الرب الإله غضبه على الكنيسة لعلمه أن ناس ذلك الزمان لا يستحقون أن يدخلوا من بابها وفعل كما فعل بأهل اورشليم حين خُربت وسبى أهلها وبنيهم وبناتهم 0
فكراً قبطياً متقدماً وكان بين رهبان ذلك الزمان راهب إسمه أبو ياسر بن القسطال كان عالماً فاضلاً كثير التأمل فى السفار الإلهية مفكراً عن الأسباب التى آلت إليها الكنيسة القبطية وما آل إليه القبط من تدهور فى حياتهم
فقد رأى ان فى المجتمع القبطى الكثير من الأزواج فى شجار مع زوجاتهم فكتب كتاباً قال فيه : " انه يجب على الخطيبين أن يتقابلا متى إنعقدت النية على الزواج , لأنه فى تقابلهما سيعرف كل منهما إن كان قد راق فى عينى الآخر ام لا , ومتى قبل كل منهما الآخر عن رضى ومن غير إكراه شرعت العائلتان فى إتخاذ إجراءات الزواج – وذلك منعاً لما قد يحدث من تخاصم نتيجة لجهلهما بعضهما البعض او بأكراههم بالزواج من جانب الآباء والأمهات "
وكان من عادة الآباء فى ذلك العصر ألا يعمدوا أبنائهم إلا بعد ختانهم فقال أيضاً " أن الختان عاده إجتماعية فقط كانت مفروضه عند اليهود ولكنها لم تعد مفروضة فى المسيحية فمن شاء ممارستها نفذها ومن لم يشأ تركها , أما المعمودية فهى الباب الوحيد الذى يستطيع المؤمن أن يدخل منه إلى الإيمان المسيحى فهو ضرورة موضوعة على الجميع "
ولما كان المجتمع فى ذلك الوقت مغلق الفهم بسبب التقاليد الإجتماعية الصارمة والخوف من المجتمع الإسلامى المتشدد فلم يستطيعوا أن يتداركوا ويفهموا هذا الفكر الذى سبق عصرة بمئات السنين ومثل أى مصلح فى الكنيسة أو المجتمع لقى أشد العسف من جانب الكنيسة والمجتمع فأدت أفكاره إلى طرده من الدير الذى كان مترهب فيه وكان هذا الدير بنواحى طره وبجانبه بستان فسيح كان يقوم بزراعته فلم يسمحوا له حتى بالإقامة فى البستان , ومن العجيب أن هذا البستان لم يحتفظ به الدير بعد ذلك لأنه لم تمضى مائة سنة حتى أن صدر أمر فى أوائل العصر الأيوبى بالإستيلاء على أوقاف الأديرة وممتلكات الكنائس وكان هذا البستان الذى رفض الدير أن يسكن فيه هذا الراهب من ضمن ما تم عليه الإستيلاء .
ولما كانت محبه المسيح فى دم الراهب المطرود من ديره أبو ياسر بن القسطال فقد إستمر فى خدمته وكان له صديق يهودى شديد الولع بالبحث وكان يتناقشان معاً فى الفروق بين الديان , ونجح الراهب المطرود أن يجتذب صديقة اليهودى بنعمة المسيح إلى الإيمان المسيحى , فدأب هذا الصديق على الدراسة فى الإنجيل وتعلم اللغة القبطية إلى الحد أنه رسم شماساً على كنيسة السيدة العذراء بحاره زويلة وإستمر يخدم فيها مكرساً حياته لخدمة المسيح وشعبه (
13)
وتقول مسز تاتشر (
14) : " كان البطريرك زخارياس محبا للسلام إلا أنه
لم يسر من مجلس الأساقفه نظراً لما نشأ عن فساد أخلاقهم للحرية التى أعطيت لهم ومخالطتهم لعامة المسلمين فى زمن العزيز بالله - وكان الإختلال فى زمن البطريرك فيلثاوس بالغ الحده فالذى كانوا يرسمون لدرجة الأسقفية لم يكونوا يبلغونها إلا بدفع جعل عظيم ( مبلغ كبير من المال ) , أما البطريرك زخارياس راح يدقق فى رسامة الأساقفة وكان يمقت تلك العادة القبيحة ولا يقبل دراهم ولكن أعوانه كانوا يختلسونها وينفذون مآربهم , وقد ابقى هذا البطريرك مجلس أساقفه عنده لأجل الفصل فى المسائل الملية وكثيرون منه كانوا من أقربائه وذكر المؤرخون أن واحداً منهم جمع أكثر من 20 ألف دينار بطرق غير محلله آلت فيما بعد بنتائج وخيمة على الكنيسة كما سترى فيما يلى:
حدث أن راهباً قساً إسمه يوحنا من دير أبى مقار يخدم بكنيسة القديس أبو نفر بحرى كنيسة أبى مقار ويقال أنها قرية فى الجيزة بالقرب من دير القديس مرقوريوس رأى هذا الراهب رهباناً آخرين يشتروا الأسقفية بالمال فإشتهى أن يصير أسقفاً ولم يكن معه شيئاً يدفعه فذهب إلى أنبا زخارياس وقال له : " أريد أن تلبسنى ثياب الأسقفية فقط وأجعلنى على كرسى خراب مثل أسقفية دبقوا , فقد غلب على الفكر لمشاهدتى هؤلاء الذين ترسمهم بالمال وليسوا مستحقين وأنا مهمل ولا تنظر إلى لأجل فقرى وأنت تعرفنى " ويقول إبن المقفع وكان البابا عفيف جدأ مثل الحمل الوديع لم يكن يفعل شيئاً من هذه القبائح السابقة حتى أن الخبز الذى يأكله إذا لم يأتوا به له لا يطلبه منهم وكذلك الماء الذى يشربه وكان كالأخرس وكان أهله ( الأساقفه من أقرباؤه) وتلاميذه حاكمين عليه ويديرون الأعمال وهم الذين يأخذون المال ممن يدفعه وإذا أراد أن يقدم لأنسان فقيراً خبزا لا يقدر إلا بعد موافقتهم وإن إلتمس قبطياً شيئاً أرسله إليهم ومن إلتمس كهنوتاً منه يرسله إليهم ليقرروا ذلك وإلا لن يرسموه , فأرسل البابا يوحنا الراهب إليهم كالعاده وكلمهم بالكلام الذى قاله للبطرك زخارياس فشتمه أحدهم وهو أسقف سخا وإسمه خايال وهو إبن أخو البطرك لما سمع منه أنه يريد أن يكون أسقفاً بدون أن يدفع شيئاً وقال له بعد الشتم : " إن ذكرت ما قلته مرة أخرى سأجعل التلاميذ يهينوك ويطردوك" فغضب غضباً شديداً وقام وذهب لمصر وشكى حاله للخليفة الحاكم بأمر الله وكتب عده رقاع ( شكاوى ) فى حق البطرك ليقدمها إليه فلما علم الأراخنة فى مصر بذلك منعوه وطيبوا خاطره ونزعوا غضبه منه وكتبوا خطابات إلى البطريرك بتوصياتهم بحل المشكله وكان البطريرك فى وادى هبيب فلما وصلت إليه الخطابات مع يوحنا الراهب أعطاها لأبن أخيه الأسقف خايال اسقف سخا فلما قرأها فتآمر على الراهب وأحضر العرب الذين يحرسون الدير وسلم الراهب يوحنا إليهم فأخذوه ورموه فى بئر ورجموه بالحجارة ليقتلوه فدخل فى كهف بالبئر وإحتمى به فلم يلحقه أذى وظن العرب أنه مات فتركوه – فلما سمع البطرك الخبر حمل التراب على نفسه وبكى ونتف شعر لحيته وحرم إبن أخيه على ما فعله بالراهب – فارسل تلاميذه ورفعوا الراهب يوحنا من البئر وطلب أن يغفر لهم ما حدث وسألوه أن ينسى ما فعل به ووعده البابا بأن يرسمه أسقفا عند خلو أحد الكراسى فصبر حتى خلا كرسيين فلم يرسمه على واحد منهم وكان أقارب البطريرك وتلاميذه يهينوه ويخاطبونه بالثقيل والموجع من الكلام , حينئذ إمتلأ حنقاً وغيظاً بمنعهم من الأسقفية التى إمتلأ قلبه بمحبتها - والحقيقة أن الشيطان لعب بالإثنين إدارة الكنيسة والراهب فكانت شهوه جمع المال والتحكم دخلت فى الأساقفة ونحن نعرف أن المال أصل كل الشرور فما بالك ببيع الأسقفية ومواهب الرب نظير مبلغاً من المال أما الراهب فدخلت فيه شهوه السلطة والتعظم وحب الرياسة ومكتوب إذا حبلت الشهوه ولدت خطية وإذا نمت الخطية ولدت الموت والموت سمح به الرب بإضطهاد الكنيسة لأجل فساد رعاتها , فذهب الراهب يوحنا إلى مصر ليرفع شكواه للخليفة الحاكم بأمر الله 0
الرومان والمسلمين
يطرحون الأقباط إلى الأسود

كان الرومان يلقون الأقباط المسيحيين للأسود إذا لم يبخروا لأوثانهم ويتركون المسيحية ويذكر المؤوخون أن الخليفة المسلم الحاكم بأمر الله فعل ما فعله الرومان مع الأقباط ليحولهم من المسيحية إلى الإسلام . وعندما تحقق الراهب يوحنا من تسويف الأساقفة وأنهم تحكموا تماما فى سلطة البابا وأصبحوا هم أصحاب الأمر والنهى بالكنيسة فقد وعده البابا إلا أن البابا ليس له القدرة على تنفيذ وعده – وبعد ان تحقق أن طلبه قوبل بالرفض ذهب إلى الخليفة الحاكم بأمر الله وصاح قائلاً : " أنت خليفة

الله فى أرضه فأعنى لوجه الله " ثم ناوله شكوى مكتوب فيها : " أنت ملك الأرض ولكن للنصارى ملك لا يرضى بك لكثرة ما كنز من الأموال الجزيلة لأنه يبيع الأسقفية بالمال ولا يفعل ما يرضى الله تعالى" وذكر فى شكواه قبائح كثيرة أيضاً وذكر القس منسى يوحنا بعضاً من
بنود الشكوى (
15) فقال : " أنه كانت من عادة البطاركة منذ الإحتلال الإسلامى مكاتبة ( إرسال خطابات ) إلى ملوك الحبشة والنوبة مباشرة فوشى القس للخليفة أن البطريرك يكاتب هؤلاء الملوك ويكشف لهم كل ما يجرى فى البلاد ويعرفهم سؤ معاملة النصارى خلافاً للعهود المبرمة مع المسلمين " – وعندما إطلع الحاكم بامر الله على ما فى الشكوى حتى أمر بإغلاق الكنائس وإعتقل البابا زخارياس فى اليوم 12 من هاتور سنة 727 شهداء وكان شيخاً طاعناً فى السن وطرحه للأسود الضارية لتأكلة بدون حتى تحقيق فى صدق الشكوى ولم يكن البابا وحده الذى ألقى إلى الأسود بل ألقى معه راهب قبطى نوبى لم نستطع معرفه التهمه الموجهه إليه – وتذكر جميع المصادر التاريخية أن أمراً عجيباً قد حدث فقد رأى المسؤلين عن جب الأسود أن الأسود كانت تلعق أرجلها على نحو ما تفعل الكلاب فذهبوا ليخبروا الخليفة بما رأوا !! وشك الخليفة فى الأمر فلم يصدق عبيدة القائمين على الأمر وإعتقد أن عبيده تقاضوا رشوة من الأقباط فأطعموا السباع حتى الشبع فلم تؤذى البابا ولا الراهب النوبى والحاكم يعرف أنه فى حاله عدم تنفيذ عبيده الأمر معناه قطع رقبتهم – فأمر الخليفة الحاكم بأن تُجوع الأسود ويذبح خروف وينزع ثياب البابا والراهب النوبى ويلطخ جسمهما بدم الخروف ثم تطلق الأسود الجائعة عليهما - وفعل العبيد كما أمروا – ولكن الذى حدث أن الأسود لحست الدماء من على أرجل البابا والراهب النوبى ولم تؤذهما وفى أثناء سجنه كان الراهب يوحنا يذهب إليه بين الحين والآخر إلى البابا على سبيل الشماتة – ثم أخرجوا البابا من وسط الأسود وظل مسجوناً ثلاث شهور وحاولوا إرهابه بشتى الوسائل بالترهيب بحرقه بالنار أو الترغيب بإعطائه مركز قاضى القضاه إن هو وافقهم على ترك دين المسيح وإعتناق الإسلام وبعد أن زال زمن الإضطهاد 0(16)
وكان مع البابا إنسان مسلم شرير فقال له : " يا شيخ السو ( السؤء) إسلم حتى يخلوا سبيلك من السجن وتنال منهم كرامة عظيمة " فقال له البطرك : " إعتمادى على الرب الذى له القدرة وهو يعيننى " فلما إنتهت هذه المحادثة دخل
أحد حراس السجن وكان من الأتراك فضرب البطرك على فمه يدبوس ( بآله حادة كانت تستعمل للتعذيب) .
وحدث أن رجلاً من العرب إسمه ماضى بن مقرب وهو مقدم جماعته ( رئيس جماعته ) كان جليل القدر عند الحاكم وصديقاً له وكان يذهب إليه ويتسامرا ويسمع لكل ما يقوله وكان الخليفة ينفذ طلباً واحداً له كل يوم , وكان للرجل العربى ماضى صديقاً قبطياً عامل قد إنكسر عليه الدين حتى أصبح 3 الآف دينار ( أى تراكمت عليه الديون ) ولم يكن له ما يوفى الديون فالقى فى السجن الذى به البابا زخارياس – فذهب صديقه العربى المسلم ماضى بن مقرب لزيارته فى السجن وتأثر الرجل المسلم من حال صديقه فقال له : " لا تحزن يا أخى أنا أجعل اليوم حاجتى عند الحاكم خلاصك " فقال الرجل النصرانى البار لأبيه البابا : " كيف أخرج وأنا أترك هذا الأب الشيخ البطريرك " فقال له صديقه ماضى : " وما هى جريرة ( ذنب) هذا البطرك حتى إعتقلوه وأودعوه السجن " فقص عليه ما حدث , فخاف ماضى أن لا يكون الكلام مع الوالى فى صالح البطريرك أو هذا الرجل الذى عليه الدٌين ففكر فى لحظه وقال لصديقه القبطى : " أنا أجعل حاجتى اليوم عند الحاكم إطلاق كل من فى هذا السجن دون تحديد أى شخص بالذات " وفعلا خرج البابا من السجن حيث تنبأ أيضاً الشماس بقيرة الرشيدى بذلك
ولما خرج البابا من السجن ونزل إلى مصر فرح الأقباط فرحا عظيما بعودة باباهم ولكنهم عندما عرفوا كيف أطلق سراحه خافوا لئلا يكون إطلاقه سهواً من الخليفة الحاكم بأمر الله أو أن يكون الحاكم نسى أنه فى ذلك المكان وأطلق خطئاً لأنه سجن مع صديق ماضى بن مقرب النصرانى فأشاروا عليه أن يذهب إلى أديرة وادى النطرون فقبل البابا مشورة شعبه والأراخنة وذهب إلى وادى هبيب ( وادى النطرون ) وكان أغلب الأساقفة معه أما الباقيين فقد كانوا يزورونه مرتين فى السنة , وتقول بعض المراجع أنه قضى هناك حوالى تسع سنين فى هذا المنفى الإختيارى0
حدث أن البابا كان متجها إلى دمروا التابعة للمحله الكبرى وكان راكباً على دابه وفجأه عند بلده إسمها طمباره فوجئ جميع الشعب المصاحب للبابا أنه ترجل من على دابته وذهب ماشياً بدون أن يعرف أحد لماذا ترجل البابا ؟ ورأوا البابا يسلم على إنسان نوبى راهب فقير رث الثياب إسمه سوسنه وأخذ البابا بركته قبل أن يبارك عليه وأكرمه وإحترمه البابا إحتراماً كبيراً وبجله أيضاً 0
فلما مضوا من ذلك المكان سأله الشعب قائلين :" لماذا عظمت هذا الراهب البسيط وخضعت له وقدمته عليك فى البركه وأنت البابا ؟ " فقال لهم الأنبا زخارياس : " أن هذا الراهب كان الحاكم قد ألقاه معى للأسود وكانت الأسود تخضع له وتلحس قدميه قبلى !!
---------------------------------------------------------------------------

(1) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 ج2 ص 98

(2) أقام المجمع المقدس برئاسة البابا شنودة الثالث أسقفاً للشرقية بإسم الأنبا أنجيلوس ويكون مركز أبروشيته مدينة فاقوس ولم يكن هناك مكاناً إلا حجرتين فوق صالة ملحقة بالكنيسة الوحيدة بها على إسم الملاك ميخائيل ولم يكن أحدا بهما مقفولتين منذ زمن بعيد فأحضروا كهربائياً مسلماً لتصليح النور وقد قال لى إن شيئاً عجيباً قد حدث وهو أن مركز النور فى وسط الحجرة وكان يوجد سريراً مفرد فى جانب الحجرة وأثناء تصليحة الكهرباء سقطت غطاء اللمبة من البنور ( أو الزجاج ) على السرير والمفروض أن تسقط على البلاط طبقاً لقانون الجاذبية الأرضية ولكنها سقطت بميل على السرير ولم تنكسر , ولم يلبث الأسقف عده أشهر حتى إشترى الأقباط كنيسة كبرى للأروام الملكيين وبها أرض ومبنى للأسقفية كبير فى وسط مدينة فاقوس وكان يريد أحد تجار الحبوب المسيحين البروتستانت أن يشترى الكنيسة بالأرض ويعطى الكنيسه للبروتستانت ويأخذ الأرض ليتاجر بها بمبلغ مائة ألف جنية فى الوقت الذى عرض عليهم الأقباط خمسين ألفاً وفضل الأروام بيعها للأقباط بمبلغ الخمسين ألفاً بسبب وجود مذبح بها على إسم يوحنا المعمدان فقال لهم البروتستانتى : " أن الأقباط سيجمعونها لكم بالتعريفة والقرش " ولكن الذى بارك فى فلسى الأرملة بارك فى القليل الذى للأقباط وأرسل البابا شنودة الثالث شيكا بالمبلغ إلي الأروام وعندما إجتمعت الكنيسة وعرف الشعب ذلك فكان أن خلعت إحدى القبطيات ذهبها من يدها وألقته من الدور الثانى حيث مكان النساء بالكنيسة إلى الدور الأرضى وقالت : " هذا أول تبرع ياسيدنا " 0وإشترى البابا أرض الكنيسة بـ 50 ألف جنية مصرى من الجمعية اليونانية لعدم وجود يونانين بالمدينة والكنيسة بها كنوز وبها كرسى للأسقف الرومى لم أرى مثله من قبل منحوت بجانب رجليه أسدين من الخشب وتحت مسند يده تمساحين جلس عليه الأسقف القبطى وبنى جدى المتنيح أبونا يوسف صليب كاهن كنيسة الملاك كنيسة أخرى دفن بها بالمدافن خوفاً من إستيلاء المسلمين على مدافن الأقباط وأصبح للأقباط ثلاث كنائس أكبرهم الأسقفية 0

(3) تاريخ الكنيسه القبطيه للمتنيح القس منسى 1899- 1930م طبع على مطابع شركة تريكرومى للطباعة – مكتبة المحبة – سنة 1983 ص 385
(
4) رؤيا 2: 5
(
5) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 ج2 ص 98

(6) إسمها الأصلى " دمرو الكنائس " وهى تتبع المحلة الكبرى – محمد رمزى – القاموس الجغرافى , القسم الثانى – ج2 ص 19 .. وقد إتخذ بعض البطاركة دمرو مركز لرئاستهم بعد أن إنتقل الكرسى من الإسكندرية وكان آخر بطريرك مقره الإسكندرية هو البابا شنودة الأول البطريرك رقم 55 , وبعد ذلك أتخذ دمرو مقرا للكرسى وأقام إقامة دائمة أو مؤقته فى بعض الأحيان : مكاريوس الأول 59 , وفيلوتاوس 63 , وزخارياس 64 وشنودة الثانى 65 , وخرستوذولوس 66 الذى كان آخر بطريرك أقام فى دمرو وبعدها نقل مقر الإقامة إلى الكنيسة المعلقة بمصر القديمة .
(
7) ( يكتب ما يقوله الأساقفة فى إجتماعات المجمع المقدس )
(
8) ( أربعة أوراق بها أماكن المال المدفون )
(
9) تاريخ الآباء البطاركة – للأنبا يوساب أسقف فوةه وهو من آباء القرن الثالث عشر – أعده للنشر للباحثين والمهتمين بالدراسات القبطية الراهب القمص صمؤيل السريانى والأستاذ نبيه كامل ص 95

(10) (عملات صغيرة ) (11) ( طين أو تراب يعجن بالماء مع بقايا سيقان القمح )
(
12) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 ج2 ص 100

(13) تاريخ ألأمة القبطية ليعقوب نخلة روفيلة ص 150- 153 وراجع أيضاً دائرة المعارف القبطية رمزى تادرس ج1 ص 17
(
14) كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900 ج3 ص 26

(15) تاريخ الكنيسه القبطيه للمتنيح القس منسى 1899- 1930م طبع على مطابع شركة تريكرومى للطباعة – مكتبة المحبة – سنة 1983 ص 386
(
16) كتاب القديس البابا زخارياس البطريرك 64 إعداد الراهب القس زخارياس الأنطونى دار الطباعة القومية بالفجالة رقم الإيداع 9271/ 94
========================================================================================

الفصل
السادس : كيف تحايل الأقباط على أوامر الحاكم وإستمروا فى عبادتهم للرب ؟

وأدب الرب الأقباط لمدة تسع سنين منها ثلاث سنين لم يقدر أحد أن يعمل طورون ( قداس) فى جميع بلاد مصر إلا فى الأديرة فقط ولكن لم يصبر الشعب القبطى على البعد عن تناول الأسرار المقدسة وإقامة الصلوات وكانوا يتوددون إلى الولاة ويرشوهم بدنانير الكثيرة والهدايا الثمينة حتى يغمضوا عيونهم ويتركوهم يتقربون فى الليل سراً فى الكنائس المهدومة البعيدة عن العمران ويبيتوا فيها فى ليالى الأعياد وكانت الكسوه وآلات الكنائس يخفيها الأقباط فى بيوتهم أما الكتب فقد حرقها المسلمون ويذكر أبو المكارم فى مخطوطه 0(1) أن كنيسة السيدة العذراء متمريم الكائنه فى الحارة المعروفه بحارة الروم السفلى كانت : " دار للأسقف ولما منعت القداسات فى ايام الحاكم بأمر الله عمل الأسقف هيكل من الخشب وصار الشعب يجتمع فى دار الأسقف ويقدس لهم عليه إلى أن من الرب بفتح الكنائس فشملت هذه الكنيسة على يد الأسقف وكان لهذه الكنيسة من أراضى المطرية بتوقيع المستنصر عشرة فدادين طين سواد (2) " أما الثلاث سنين التالية بدا الأقباط يحولوا بيوتهم إلى كنائس ويكرزونها سراً وكان ولاه المناطق يرسلون إلى الوزير ثم إلى السلطان أن النصارى بنوا الكنائس فى مصر والريف سراً ويصلون فيها وهو يغمض العين ويتغافل عنهم وعندما أحس النصارى بتغيير فى سياسة الحاكم
وذكر إبن المقفع فقال (3): " ووقف جماعة من النصارى الذين أسلموا فقال: " لهم ماذا تريدون" .. قالوا : " تعيدنا إلى ديننا فقال لكل واحد منهم : " أين زنارك وصليبك " فأخرجوهم له من تحت ثيابهم فأمرهم بلباسهم بين يديه وأرسل مع كل واحد ركابى ( مرسال ) سجلاً ( أمراً) يكون فى يده بأن لايعترض أحدا طريقه فعاد كثير ممن إعتنقوا الإسلام إلى دينهم المسيحى وكان منهم راهب إسمه بيمن فتجاسر وطلب من الحاكم أن يوافق على إعطائه أمراً لبناء دير خارج مص
ر
على إسم الشهيد مار قوريوس وهو الدير المعروف بدير شهران وكان فى بلدة شهران العامره فى ذلك الوقت فبناه وسكنه مع إخوه له رهبان وكان كثيراً ما يذهب الخليفة الحاكم لهذا الدير ويمضى به أوقاتاً كثيرة ويتكلم ويناقش الراهب بيمن وكان كل من له حاجه من الأقباط يذهب إلى الراهب بيمن فيكلم الحاكم عليها فيقضى حاجه الناس , وكان الخليفة يجلس ويأكل مع الرهبان طعامهم الحقير (
4)
ولما تأكد الراهب بيمن أنه صار قوله عند الحاكم مقبولاً وطلباته مسموعه فطلب منه الإذن فى بناء الكنائس التى هدمت من أمره السابق فوعده بذلك وكلام الملوك لا يرد كما أن بيمن أرسل ليحضر البابا زخارياس البطرك وأخفاه بدير مرقوريوس بدير شهران فلما ذهب الخليفه الحاكم للدير كما جرت العادة أخرج إليه البطريرك فسلم عليه سلام الملوك وبارك عليه ودعا له .. فقال الخليفة لبيمين الراهب : " من هذا ؟ " قال : " هذا أبونا البطرك أرسلت وأحضرته كما أمرت " وكان موجوداً أساقفة فقال : " من هؤلاء ؟ " فقال له بيمن الراهب : " هؤلاء خلفاؤه فى البلاد وهم الأساقفة " فتعجب الخليفة لأنه كان حقيراً فى العين مهاباً فى النفس وكان البطرك قصير القامة كوسج ذميم الخلقة ورأى الأساقفة الذين معه شيوخ ذوى مناظر حسنة وشخوص بهية وقامات تامة فقال لهم : " إلى أين ينتهى حكمه ؟ .. فقالوا : " يمتد حكمة فى ديار مصر والحبشة والنوبة والخمس مدن الغربية وأفرقيا وغيرها " فإزداد تعجباً فقال : " كيف يطيعونه هؤلاء بدون عسكر ولا مال ينفقة فيهم " فقالوا : " بصليب واحد تطيعه هذه القبائل كلهم " قال لهم : " وإيش هذا الصليب ؟ " قالوا مثال الذى صلب عليه السيد المسيح فمهما أراد منهم يكتبه إليهم ويجعل الصليب بين سطور الكتاب التى هى علامه الملك ويقول لهم إفعلوا كذا وكذا وإلا عليكم الصليب فيطيعوا قوله ويفعلوا ما يأمرهم به بلا عساكر ولا حرب وقتل ولا دماء" فقال الخليفة الحاكم بأمر الله : " بالحقيقة ليس فى العالم دين ثابت مثل دين النصارى .. هوذا نحن نسفك الدماء وننفق الأموال ونخرج الجيوش .. وما نطاع . وهذا الرجل الشيخ الحقير المنظر الذميم الخلقة تطيعه أهل هذه البلاد كلها بكلمة لا غير " .. ثم قال لهم : " أقيموا هنا حتى أقضى لكم حوائجكم ( طلباتكم ) وخرج من عندهم وهم مسرورين بما سمعوه –
الطير الجارح ينقض
أما يوحنا الراهب الذى إشتكى البطريرك وكان سبباً لأيداعه السجن عرف مكان البطرك والأساقفه وقال أبن المقفع عنه : " أنه جاء مسرعاً كالطير ولم يعلموا حتى دخل وصار بينهم " وقال للبطرك : " هوذا قد أعاد الرب لك مكانتك وطقسك وأريد أن تجعلنى أسقفاً " وكان إبن أخى البابا خائيل أسقف سخا حاضراً هناك وكان يكره يوحنا الراهب فقال له كلاماً أغاظه حتى خرج يوحنا الراهب جارياً وتسلق السور وصاح صارخاً بأعلى صوته قائلاً : " أنا بالله وبالحاكم .. أنا مظلوم .. أنا مظلوم خذ لى حقى " فخافت الأساقفة وإجتمعوا فى رأى واحد ضد خائيل أسقف سخا إبن أخى البابا وخاطبوه بشدة وقالوا : " أنت سبب هذا البلاء كله .. وكل ما نالنا من هدم الكنائس ولباس الغيار والهوان وغيره أنت أصله وتريد أن تفعل شيئاً آخر حتى يكون الآخر أشر من الأول " وظلوا يقولون كلاماً لأسقف سخا حتى هدأ يوحنا الراهب وألزموا البطريرك بأن جعله أغومنس وألبسه القلنسوة السوداء ووعده بالأسقفية 0
عجائب الله فى قديسية
وكان الأنبا زخارياس طيب القلب جداً قديساً عابداً للرب فى صلوات وأصوام كثيرة تاركاً الأعمال الدنيوية ومنها إدارة الكنيسة للحاشية التى حوله ولما كان غبن أخته أسقفاً فقد تحكم فى سلطة الكنيسة العليا من رسم اساقفة وجمع الأموال وإدارة الأوقاف حتى أن كل أسقف كان يعين كان تابعاً له ويروى التاريخ عجائب كثيرة تمت على يدى البابا زخارياس ومنها :-
(1) – أصيب أنبا مرقوره أسقف تلبانه فى أيامه بالبرص ووصف إبن المقفع حالته فقال (
5): " كان جسمه تلمع بالبرص وظهر عليه بياض فاحش " فذهب إلى البابا زخارياس فى يوم أحد فقال له البابا بتواضع ووداعه ووجع قلب : " أنا حاسس بشعورك وآلامك بما أنت فيه , وأنت تعرف أن الرب الإله قال لموسى : لا تأخذ بوجه أحد فى الحكم , لهذا لا يصح أن تصلى قداساً إلا بعد أن يقلع السيد المسيح عنك هذا المرض لأنه نجس كما سماه الكتاب " فبكى الأسقف المصاب وقال أعينى بصلاتك يأبى القديس وقام وخرج من عنده وذهب إلى كنيسة تابعه لكرسيه على إسم السيده العذراء مريم وتلك الكنيسه فى قرية تسمى تمى ووصلها يوم الأثنين وكان كاهن الكنيسة كبير السن إسمه القس / فرح .. فقال لتلميذة : " سوف أقيم هنا تعال يوم الأربعاء
(2) لتفتقدنى فإن وجدتنى توفيت ساعد القس فرح على دفنى هنا وإذا وجدتنى حى كلمتك " ولما خرج التلميذ من عنده وقف أمام هو أمام صورة السيدة العذراء باكياً متضرعاً يوم الأثنين وليلة الثلاثاء ويوم وليلة الأربعاء وهو يتشفع بها متضرعاً لها فى إزالة البرص ولما كانت الساعة التاسعة من نهار يوم الأربعاء خدر جسمه من الصوم والتعب فإستند إلى الحائط الذى فيه الصورة يغلبه النوم فرأى بين الحلم واليقظة يد السيدة العذراء تمتد له من الصورة كأنها تمسح جسمه فتنبه مستيقظاً وقد عوفى من مرضه فإستدع القس وأخبرة بما حدث وأراد أن يتأكد وأن ينظر باقى جسمه ليتحقق فرآه القس أنه صار نقياً سليماً معافياً ففرح وشكر السيد المسيح وصار يبكى بكاءاً عظيماً من شدة الفرح ولما حضر التلميذ آخر النهار فقال له : " يا ولدى قد تفضل السيد المسيح بشفاعة السيده العذراء بإزالة المرض من جسمى ويجب أن أقيم فى هذه الكنيسة ثلاثة أيام آخرين أشكر السيد المسيح على ما أنعب به على وإحضر لى الدابه يوم السبت ولما مضى التلميذ قام وأكل يسيراً من الخبز فى هذه الأيام الثلاثه وفى عشية يوم السبت حضر التلميذ ومعه الدابه فذهب إلى دمروا ودخل إلى البابا زخارياس فوصل يوم الأحد وهو فى الكنيسة وعرفه بنبأ شفائه وقال له : " يا أبى هذا بصلواتك " فقال له البابا : " بل بأمانتك وصلواتك " وطلب منه أن يصلى القداس فى هذا اليوم قائلاً : " بالحقيقة إنك أحق منى بالقداس لنأخذ بركتك عقب هذه النعمة الجليلة التى نالتك بالشفاء " ومجد جميع الحاضرين الرب الإله صانع العجائب بركة القديسة العذراء مريم تكون معنا يا إخوتى آمين
(3) – وكان هناك شماس مشهور من أهل منية مليج تخاصم مع زوجتة وكانت طاهرة فخرج من عندها وقد إمتلأ غيظاً شيطانياً فذهب وضاجع رجلاً مخنثاً ووقع معه فى الخطية ثم عاد إلى منزله فصالحته زوجته , فلما كان الليل جلس على فراشه وتعرى من ثيابه ليطضجع فرأت زوجته جسمه وقد أصيب بالبرص فقامت وقد إمتلأت خوفاً وقالت له : " ماذا فعلت ؟ " : " حتى تبرٌصت أنظر إلى جسمك " فتأمل جسمه وبكا بكاءاً مراً فقال لها : " يا إمرأتى لما تخاصمت معك اليوم لعب بى الشيطان ففعلت كذا وكذا .. " ثم لطم وجهه ونتف شعر لحيته وزاد فى البكاء فقالت زوجته الخيره المتدينه وهى باكية عليه : " قد أخطأت يا أخى وغلطت فإذهب إلى البابا زخارياس وإمسك قدميه ولا تتركهما حتى يسأل الرب الإله فيك فتشفى " فنهض باكراً وإمتضى دابته وذهب إلى دمروا وطرح نفسه عند رجلى البابا زخارياس وأكثر البكاء والتضرع والإنسحاق وتعلق بقدميه وإعترف له بما فعله فقال له : " يا ولدى هل تقدر أن تحتمل تعب السيد المسيح " فقال له : " أحكم على بما شئت فسوف أفعله بمعونة ربنا وبركة صلاتك " فأودعه بيتاً مظلماً وتركه واقفاً فى وعاء نصفه مملوء بالملح وجعل وجهه نحو الشرق وقال له : " يا ولدى واصل الصلاة والتضرع والبكاء وتوب حتى لا تعود إلى الخطيئة وفى ثلاثة أيام وثلاثة ليال كان يطعمه خبز يسير بالميزان ويسقيه ماء بالميزان حتى تم وهو فى هذا الحال خمسة عشر يوماً ثم ذهب إليه وصلى عليه وبعد أن تمت ثلاثة أسابيع ذهب إليه وصلى عليه ثم ذهب إليه بعد شهر وصلى عليه وكشف عن جسمه فوجد أن البرص تناقص فطيب نفسه وبشره بذلك وبعد تمام أربعين يوماً كان قد تطهر تماماً من برصه وصار جسمه نظيفاً ففرح به وحماه بماء ساخن ودهنه وصلى عليه وقال له : " يا ولدى قد عوفيت وشفيت فتذكر دائماً ما نذرته على نفسك بأنك لن تعود إلى الخطية وأنك تبت راجعاً ونادماً على ما فعلت ولا تظن إنى صومتك ثلاثة أيام , ثم بعدها ثلاثه أسابيع وفطرت أنا , بل حى هو إسم المسيح ما تغذيت فى هذه الأربعين إلا بمثل ما غذيتك به ولم أكن أفطر إلا فى الوقت الذى أفطرك فيه والماء الذى كنت تشربه كنت أشرب مثله " ثم بارك عليه وأمره بالإنصراف إلى منزاه فعاد إلى زوجته المباركه فرحاً مسروراً ببركه الرب الإله وعمله فى قديسيه 0
وكان هذا البابا وديعاً كالحمل زاهداً فى دنياه لايقتنى مالاً ويبتعد عن الذهب والفضة وذات مره حضرت إليه إمرأة ومعها صرة من الدنانير ورمتها له فقال لها : " الرب يعوضك يا إبنتى " فإنتظرت أن يقول لها شيئاً آخر ولكنه لم يزد فى كلامه فخرجت غاضبه وقالت لتلاميذة : " لعل البابا لم يعلم مقدار المبلغ الذى أحضرته حتى بارك علىٍ هذه البركة القليلة " فدخل تلميذه ولامه على غضب المرأة فأمره بإرجاعها وأخذ صرة الذهب ووضعها فى كفة ميزان , وكتب رقعة ( ورقه ) فيها الرب يتقبل منك ووضعها فى الكفة الأخرى فرجحت الكفة التى بها رقعة الورق وإلتفت إلى المرأة خذى ما أردت من الكفتين فضربت المرأة مطانية للبابا وقالت : " إغفر لى فإنى أفكر تفكير إنسانى وأنت تفكر بما عن الرب الإله " 0
-------------------------------------------------------------------------------------------

(1) تاريخ ابوالمكارم تاريخ الكنائس والأديره فىالقرن 12 بالوجه البحرى طبع سنه 1999 ج1 ص 5
(2) ( يعتقد أن هذه الأراضى كانت وقف على الكنيسة للصرف عليها )
(3) سيره الأباء البطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 ج2 ص 115

(4) 0راجع أيضاً تاريخ الأمة القبطية ( الحلقة الثانية) – كامل صالح نخلة وفريد كامل ص 119

(5) سيره الأباء البطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 الجزء الثانى ص 125

========================================================================================
 

 الفصل السابع : رغام البطاركة الأقباط بعدم الإدلال بمعلومات عن حقيقة إضطهاد المسلمين للشعب المسيحى فى مصر

وبالنسبة لعلاقة البطريرك مع الحبشة والنوبة فقال القس منسى يوحنا(1): " أن لا يكاتب البطاركة ملوك النوبة والحبشة مباشرة وألا يقبلوا منهم مكاتبات إلا بعد عرضها عليه ومعرفة ما فيها وكذلك طلب من هؤلاء الملوك أن تكون المكاتبات منهم وإليه مباشرة وبقى هذا الأمر مده طويلة فكان إذا أتى الخليفة أو السلطان كتاب يقتضى الرد يطلب من البطريرك أن يشرح ما عليه النصارى فى مصر من الراحة والحرية فى الدين وعدم التعرض لهم فى عقائدهم ولو كانوا فى أشد عذاب ويوصية خيراً بالمسلمين الذين تحت رعايته "
وقام الأقباط والبابا زخارياس بترميم وبناء ما تهدم من كنائسهم فجدد الكثير منها وإستمرت مده التجديد والبناء 12 سنة متواصلة (2) ولكن ما تم بناؤه وترميمه فى هذه المدة لم يصل إلى ما كانت عليه الكنائس التى هدمت لأن القباط أسرعوا فى عملية البناء حتى لا يصدر فرماناً آخر يقول عكس ما صرح به الحاكم لمعرفتهم أن حكام الإسلام يغيرون رايهم وليس لهم خط موحد للحكم يحدد علاقه المسلمين بالأمم التى إحتلوا بلادهم .
وكانت مدة البطريرك أنبا زخارياس 82 سنة وتنيح فى سنة 784 ش ودفن فى كنيسة ببنى وائل المعروفة بكنيسة الدرج .
(2) ويوجد فى المتحف القبطى وثيقة ترجع إلى هذا العصر فى الفترينة المسدسة بالجهة الشرقية فى الخزانة حرف D بالمتحف القبطى ملف من الورق ملصق على قماش من الكتان يتضمن إنعامات وعهود لرهبان الديرة هذا نصه :-
" عمارتكم .. ولا تطالبوا بحشد فى الحرب , ولا بخروج وإعزاز كل راهب يخرج منكم إلى الضياع للتعيش فيها وقضاء حاجات من وراه منكم وألا تلتزموا بعمل يحمل النصر من الميرة وما يجرى مجراها مكساً ولا غرماً قل أوجل وأن تحفظوا ما لكم من زرع وغلة وعوامل من مبانى النواحى وألا يتعرض ما يخلفة بموت من رهبانكم خارجاً عن دياراتكم فى حال تردده إلى الريف وغيره للتصرف فى مآربكم من كل شئ يملكه ليكون جميعه عائداً على إخوته فى رهبانية دون كل قريب له ونسيب غيرهم فإن الإمام المعز لدين الله والإمام العزيز بالله والإمام الحاكم بأمر الله قدس قدس الله أرواحكم تقدموا بكتب سجلات بإمضاء ذلك كله لكم وسألتم كتب السجل بتجديدها كانت أمضته لكم الأمة وتوكيد ما دعته أكافئكم من الحرمه وحفظ ما لكن من هذا الموات والأزمة فأمر أمير المؤمنين بكتب هذا السجل المنشور يحملكم على مقتضى النص المذكور وموجب الشرع المنظور وإقراره فى أيديكم حجه بذلك باقية على مر الأيام والدهور حتى لا يعترضكم معترض بما يزيل هذا الأنعام عن حده أو يتناول متأول بما يصرفه عن جهته وقصده والذنب عنكم لمن قراه أو قرئ عليه من الأولياء والولاه المتصرفين فى الأموال والجباة وسائر عبيد الدولة وخدمها على إختلاف طبقاتهم وتراجع درجاتهم فليعلمه من أمير المؤمنين ورسمه ليعمل عليه ويحسبه إن شاء " راجع مرشد المتحف القبطى – وديع شنودة ص 82- 83
-----------------------------------------------------------------------------------------------

(1) تاريخ الكنيسه القبطيه للمتنيح القس منسى 1899- 1930م طبع على مطابع شركة تريكرومى للطباعة – مكتبة المحبة – سنة 1983 ص 387

(2) ويوجد فى المتحف القبطى وثيقة ترجع إلى هذا العصر فى الفترينة المسدسة بالجهة الشرقية فى الخزانة حرف D بالمتحف القبطى ملف من الورق ملصق على قماش من الكتان يتضمن إنعامات وعهود لرهبان الديرة

========================================================================================

الفصل االثامن : إختفاء الحاكم

إتفق جميع مؤرخي التاريخ على أن إختفاء الحاكم الذى كان إختفاءاً أسطورياً ويمكن تصنيف آرائهم إلى ثلاث مجموعات : -
أولاً : مؤرخى المسلمين
وقد كتبوا تاريخهم بعد هذا الحدث بحوالى 200 سنة ويقولون أن الحاكم قتل نتيجه لمؤامره دبرتها أخته , أو أخته مع قائد الجيش وأن السبب العداء بينهما كان لسببين وهما أنه إتهمها فى شرفها والآخر أنه كان يريد بأن يوصى بان يكون واحد من أتباعه خليفة من بعده وهذه الأسباب لا يمكن قبولها لأنه لا يمكن الإعتماد على الشائعات فى التاريخ كمصدر موثوق به وكلمة " أنه كان يريد " لا يمكن قبولها كمرجع لتفسير الأحداث وإذا كان حقاً قد اوصى بهذا فإذا مات موتاً طبيعياً أو قتل فكان لا بد من تنفيذ وصيته وأن العداء بينه وبين أخته إذا كان صحيحاً فمن الجائز أن يكون فى اثناء مراحل عبثه بالحكم وإصداره القرارات المجحفه ضد النساء الذين كادوا له وكتبوا كتابات تعيره بسلوك اخته إلا ان هذه الأفعال لم تستمر طويلاً لخوف النساء منه بعد مجزرة حمام النساء ومن المؤرخين المؤيدين لهذا الرأى
وقال بعض كتاب التاريخ حديثاً (1) وركب حماره كالعاده يوماً ذاهباً للخلوة بنفسه فى جبل المقطم لرصد الكواكب والنجوم بناحية حلوان ولم يعد ووجدوا بعد أيام ثيابه مضرجه بالدماء وحماره مجروحاً , فعلموا أنه قد قتل "أن أختهُ تخلصت منه بقتله وكان ذلك فى سنة 411 هـ - 1021م 0
وقالت مسز بوتشر (2) قولاً آخر : " قتله اهل بلاطه إذ كادوا له فاغتالوه عندما كان منفرداً كعادته فى جبل المقطم وهو يناجى ربه على حد زعمه ولكن جثته لم توجد غير ان جثه رفيقيه اللذين كانا يلازمانه وجدت وعلى ذلك اشاع بعض اتباعه انه رفع إلى السماء وسينزل قبل اليوم الخير لهذا يؤمن الدروز بهذه الخرافه حتى الآن" .. وقالت فى موضع آخر (3) : " أنه قتل بمساعى أخته وقائد جيشة "
الرأى الثانى : المؤرخين الأقباط
يعتمد التاريخ القبطى على مؤرخين عاشوا أثناء الحدث فقد كان لكل بطريرك كاتب يسجل الأحداث وتعبر الان مخطوطات وقد تم تسجيل ما قاله المؤرخين الأقباط وبإختصار فقد اكدوا جميعا أن الدابة التى كان يمتطيها الحاكم وجدت تائهة مضرجه بالدماء ولم يستطع أحد ان يعثر على جثته ولم يتأكد أحد ما غذا كانت هذه الدماء هى دماؤه ام دماء حيوان كما حدث فى قصة يوسف إبن يعقوب حينما باعه إخوته لإسماعيليين وذبحوا خروفاً ولطخوا ثيابه بالدم ليوهموا اباهم يعقوب أن وحشاً برى قتله وقد اكدوا جميعاً انه أصبح إعتنق الديانة المسيحية وعاش فى دير شهران (
4) وذكر ابو المكارم المؤرخ فى مخطوطه أن الحاكم غاب عن الحكم ولم يقتل فقال : " كانت غيبة الحاكم فى عشية يوم الأحد 30 من شوال سنة 411 هجرية الموافق لشهر هاتور سنة 727 ش
أما المؤرخة المتنيحة أيرس حبيب المصرى فقالت : " أن الحاكم تجاوز الحدود وإدعى الألوهية , وتثبيتاً لهذا الإدعاء أعلن حرمان إبنه الظاهر من العرش وأوصى بتولية العرش أحد المشايعين له وأكبر أنصاره , وظل يبطش بالمسلمين رغم مهادنته للأقباط , وزاد على ذلك تعريضة بشرف أخته التى قضت حياتها بغير زواج والتى كانت على جانب كبير من الذكاء والدهاء فنقمت عليه وتآمرت ضده مع بعض المتبرمين منه من حرس القصر , وحدث بعد أن عرض الحاكم بشرف أخته بأيام قليلة – أنه خرج ليلاً كالمعتاد ولم يعد ولم يعثر أحد على جثتة أو على حتى بقايا منها , مع أن حماره وجد عليه دماء وظل إختفائة سراً مكتوماً , فإدعى مشايعوه أنه إختفى مؤقتاً وأنه سيعود إلى الظهور يوماً ما , بينما أشاع غيرهم أنه قصد إلى جبل الدروز حيث نادى بدين جديد(
5)
الرأى الثالث : رأى الشعب
ومن أكبر الأدله على أن الخليفة الحاكم لم يقتل أن الشعب كان مقتنعاً تماماً على أن الخليفة لا يزال على قيد الحياة وأنه مختفى فى مكان ما 0
وقام الدجالين بإنتحال شخصية الخليفة المختفى ففى سنة 434هـ - 1041م إدعى شخص إسمه " سكين " أنه الخليفة وكان يشبهه شبها كبيراً وصدقه عدد كبيرمن سكان الفسطاط فتبعوه ويمموا شطر قصر الخليفة
وهم يصيحون " ها هو الحاكم ! " وبعد نزاع طويل بين الناس إتضح أن الرجل مزور خداع فقبض عليه وقتل .
وكثيرون من المصريين كانوا يلبسوا ملابس مشابهه لما كان الخليفة الحاكم يلبسه ويذهبون إلى الجبال ويقول كل واحد منهم : " أنا الحاكم " ومن أشهرهم قبطى إعتنق الإسلام من شبرا كلسا وإسمه شروط وتعلم السحر وتمرس فيه وصار حاذقاً به ومن الأقوال المتداوله عنه أن بعض الناس كانوا يقولون أنه كان يمشى معهم ثم يختفى من أمامهم وكان يشبه الحاكم حتى فى كلامه ولكنه كان أطول منه قليلاً وأطلق على نفسه لقب " أبو العرب " وتبعه قوم ولازموه وتتلمذوا له وكان يرسلهم إلى الأغنياء برسائل بخط يده فيأخذوا منهم المال ويقول لهم : " أنا سوف أعيد لكم هذا المال عند رجوعى إلى خلافتى " وإذا ناداه أحد بألقاب الخلافة وقال له : " أنت سيدنا الخليفة " ضربه وقال : " إحفظ السر فى رأسك " وأقام يمارس دجله وشعوذته عشرين سنة مستتراً حتى ظن أكثر الناس أنه الحاكم وأنه يخفى نفسه لأمر مكتوم لا يعرفه إلا هو وظل كذلك أيام المنتصر ثم ذهب إلى البحيرة ونزل عند رجل بدوى من العرب من قبيلة بنى قرة إسمه مفرج إبن تمام فأقام فى خيمة البدوى لمده سنتين وهو يتظاهر بأفعال الأنبياء كذباً وكان يلبس ثياب ممزقة وزرية ويتشبه بالنساك والزهاد عن المعيشة المرفهه وكان يحضر له الناس عطايا وملابس وهدايا طائلة فكان يعطيها للبدوى فإذا قال له البدوى : " لماذا لا تلبس هذه الثياب الفاخرة " فيقول : " لقد نذرت وأخاف أكسر النذر " وبهذا الكلام كان يخدعهم وكان الناس عندما يدخلون عليه كانوا يسلمون عليه كما يسلم الناس على الخلفاء والملوك فينهاهم عن ذلك ويوهمهم أنه يريد كتمان أمره إلى الوقت الذى سيظهر فيه ويأخذ الحكم فإنتشرت أخباره وأعمال سحره فى بلاد مصر وقراها فخاف شروط على نفسه وهرب من عند البدوى وإختفى فى مكان لا يعرفه فيه أحد وظل مختفياً حتى أيام الأنبا شنودة البطريرك فكتب إليه يطلب مالاً حتى أرسل البابا له مالاً أى أما أنه الخليفة الحاكم بأمر الله فعلاً أو أنه خدعه.
لماذا إختفى الحاكم بهذه الطريقة ؟
أما عن سبب إختفائة بهذه الطريقة فقد كان لتعليلها رأيين
ا
لرأى الأول : المؤرخين المسلمين الذين أكدوا أن الحاكم إختفى ولم يقتل
السعدنى المسلم فقال عن الدين الجديد الذى أحدثه الحاكم : " أن الحاكم كان له أتباع يعملون لنشر الدين الجديد فى الخفاء , وكان أعضاؤه جميعاً من الشباب المتحمس صغيرى السن , وقد تم القضاء عليهم بضربه واحده وإلى الأبد , كما أعلن داعى الدعاه بعد ذلك !
ولكن ولداً واحداً إستطاع الإفلات من قبضة الرقابة الفاطمية وتسلل من مصر هرباً تحت جنح الظلام وإجتاز صحراء سيناء إلى بر الشام , وراح يبشر فى الشام وفى وادى اليتم بالدين الجديد , وأعلن أن الحاكم بأمر الله قد رفع إلى السماء , وانه المهدى المنتظر الذى سيعود آخر الزمان ليصلح الرض من الشرور ويقيم العدل قبل يوم الموقف العظيم ولداً واحداً إسمه ولداً واحداً إسمه عبد الرحمن الدرزى وإلى إسمه إنتسب معتنقوا الدين الجديد من الدروز !
الرأى الثانى : المؤرخين المسيحين
أما المخطوطات القبطية والمؤرخين الأقباط قالوا ان سبب هذا الإختفاء المفاجئ هو إعتناق الحاكم للمسيحية وحبه فى التعبد باقى أيام حياته
فالمؤرخة المتنيحه أيريس حبيب المصرى فقالت أن " هناك تقليد قبطى يقول أن الحاكم بأمر الله ذهب إلى دير شهران حيت تنصر وقضى بقية حياته فى هدوء وإنزواء , وتولت أخته الملك سنتين لوصايتها للأمير الظاهر وسلمت له مقاليد الحكم بعد أن حرمه ابوه منه ."
أما إبن المقفع الذى كان معاصراً للخليفة الحاكم بأمر الله ودون تاريخه بعد ثلاثين سنة من إختفاء الحاكم فقد قال إبن المقفع عن إختفاء الحاكم (
6): " فى السنة التى كان فيها الخلاص وإطلاق الحرية لبناء الكنائس ظهر أمراً عجيباً وذلك أن الحاكم كان يطوف بالجبال التى خلف القاهرة فى الليل والنهار ومعه ثلاثة من الركابية وفى بعض الأحيان راكب واحد (7) فنزل عن دابته وقال للركابى : " عرقب (8) الحمار ففعل ما أمر به " 0ثم قال له : " إمضى إلى القصر ودعنى هنا " فذهب إلى القصر – وفى الصباح لم يجده أهله وحاولوا أن يفتشوا عنه فى كل مكان ولكنهم لم يجدوه وكان له ولد صغير وأخت فاصبحت فى الوصية لمدة سنتين إلى أن كبر ولده فأجلسوه خليفة وأسموه الظاهر لإعزاز دين الله أما إسمه الحقيقى أبو الحسن ولكنه لم يسلك مسلك أبيه"
ويؤكد الأنطاكى المؤرخ حقيقه هذا الحدث القريبه من رأى مؤرخى الأقباط فقال (
9): " وكان فى كثير الأيام يقصد دير القصير ويشاهد عمارته ويحث الصناع على الفراغ منه وأطلق لهم دنانير تصرف عليه ودفع أيضاً إلى الرهبان المقيمين فيه دنانير ورسم لهم مساعده البنائين لتروج عمارته وكان يعدل أيضا إلى ديارات جددها اليعاقبة (10)
بالقرب من القرافه الكبرى , وإذا أراد الدخول إلى الجبل إو الطلوع إلى دير القصير أو غيرهم بالديارات تتأخر المراكبيه عنه فى الموضع المعروف بالقرافة وإلى الساقية ويمضى وحده "
مما سبق إختلف المؤرخون فى مصير الخليفة الحاكم البعض قال إنه قتل والبعض قال أنه صرف الركابيه وأنه حى ولكنهم يتفقون جميعاً فى شيئاً واحداً هو " إختفاء الحاكم بأمر الله إذا كان حياً , وإختفاء جثته إذا كان قد قتل " والأمر البديهى أنه إذا كان قد قتل فلماذا تختفى جثته ؟
وفى الوقت الذى أكد فيه إبن المقفع أنه إختفى ولم يمت وهو الذى عايش هذه الفترة وكتب تاريخة بعد ثلاثين سنة من إختفاء الخليفة الحاكم فقد جائت أخبار المؤرخين المسلمين متأخرة عن هذا التاريخ كثيراً وإعتمدوا على أن الخليفة كان قد هدد أخته ست الملك (1
1) بالموت لسوء سلوكها فقامت هى بقتله قبل تنفيذ تهديده لها بالإتفاق مع قائد جيشه سيف الدين إبن رواش
ولكن هناك دلائل تشير إلى كذب ما يدعيه المؤرخين المسلمين فقد ذكر لنا أبو المحاسن بن تغرى بردى (
12) قائلاً : " أن الخليفة الحاكم بأمر الله قبل أن يترك قصره للمرة الأخيرة ,أعطى والدته ثلاثين ألف دينار ليؤمنها من العوز وتقول الرواية نفسها أن الحاكم كان ينتظر أن يظهر فىالسماء نجم معين يعلن بنهايه عمره , فلما رآه ليلة إختفاؤه أذاع الخبر بصوت مرتفع يسمعه من حوله ولكنه قام بجولته الليلية كعادته بعد أن صفى أعماله الشخصية كأنه لن يعود أبداً " 0فإذا لماذا يعطى الحاكم هذا المبلغ لأمه إلا إذا كان قد خطط لإختقائه الإسطورى .
وذكر الأنطاكى (
13) كان الخليفة له صداقة بأحد الرهبان كما أنه كان يحقق أمانى هذا الراهب وكان يقابله فى الطريق الصحراوى المؤدى لدير القصير على جبل المقطم ويسأله عما هو فى حاجه إليه – حتى أن ألسنه السوء من بعض المسلمين تناولته بالتشنيع عليه وزعمت أن الخليفة الحاكم أصبح مريداً لهذا الراهب خاصة بعد أن لبس الخليفة زى الرهبان " وقوانين الأقباط تقضى أنه لا يمكن أن يلبس أحداً زى راهب بدون إجراء صلوات ومراسيم خاصة بلبس هذا الزى الرهبانى لهذا يمكن القول أن الحاكم عندما لبس الزى كان قد قضى فترة الإختبار التى يمربها طالب الرهبنة فى العاده والتى لا تقل عن 6 أشهر أى أن إعتناقة المسيحية بما فيها فترة الإستعداد والمعمودية ... ألخ قد تم قبل أن يلبس الملابس الرهبانية كان أكثر من 6 أشهر.

----------------------------------------------------------------------------

1) صفحات من تاريخ مصر 2- تاريخ مصر إلى الفتح العثمانى – تأليف عمر الإسكندرى و أ. ج. سَفِدْج – مكتبة مدبولى 1410هـ -1990م ص 216
(2) كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900 ج2 ص 35
(3) كتاب تاريخ الامه القبطيه وكنيستها تاليف ا0ل0بتشر تعريب اسكندر تادرس طبعة 1900 ج2 ص 36
(
4) ودير شهران هو إسم البلده التى بنى فيها الدير وكانت عامرة وىهلة بالسكان وقد خربها المسلمين فى العصور اللاحقة وتلاشت وتوجد فى موقع البلده الآن بلدة إسمها قرية المعصرة أو بلدة المعصرة .
(
5) تاريخ مصر فى العصور الوسطى( باللغة الإنجليزية ) – ستانلى لين بول ص 133- 134 وراجع أيضاً مختصر تاريخ مصر ( باللغة الفرنسية ) الجزء الثانى المبحث الثانى – جاستون فييت ص 182- 183

(6) سيره الأباءالبطاركه – ساويرس إبن المقفع أسقف الأشمونين أعده الأنبا صمؤيل أسقف شبين القناطر وتوابعها طباعة النعام للطباعة والتوريدات رقم اإيداع 17461/ لسنة 1999 الجزء الثانى ص 115
(
7) ( أشخاص يعتنون بالركايب التى هى الحمير )
(
8) ( يضرب الحمار فى مؤخرته بآله حادة فيقفز ويجرى )
(
9) الأنطاكى ص 232 - 233
(
10) ( أطلق هذا الإسم على الكنيسة الأنطاكية ثم أطلق على الأقباط خطأ لوجود علاقة قوية بين الكنيستين )

(11) كانت إمرأه ذات طموح وكانت تتصل مباشرة برئيس الوزراء وقواد الجند وإشتغلت بالتجارة وحازت من الأراضى ما يفوق الحصر وكانت تقبل الهدايا من حكام الأقاليم والزلاة وعندما ماتت حصروا تركتها فوجدوا عندها من الذهب العينى ثلثمائه صندوق ومن فصوص الياقوت الملونة خمسة صناديق ووجد لها مدهن من الياقوت الأحمر وزنه سبعة وعشرون مثقالاً لم يحص ثمنه ووجد لها من الأثواب الحرير ثلاثون ألف ثوب !! راجع مصر من تانى – محمود السعدنى – دار كتاب صدر عن دار أخبار اليوم ص 33
(
12) أبو المحاسن بن تغرى بردى طبع دار الكتب الجزء الرابع
(
13) الأنطاكى ص 230 – 231

==============================================================================================

 

 

 

 

 

Home | من هم الفاطميون | الخليفة المعز | الحاكم بأمر الله | الخليفة الظاهر | أعترافات الآباء

This site was last updated 02/08/04